فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 389

وكأنَّ بعض المتأخرين عن البوصيري أحسَّ شدَّة هذا الغلو، فأراد أن يخففه فزاد في القصيدة - وما أكثر ما زيد عليها - بيتًا ناشِزًا ألقاه في مكان غير مناسب في القصيدة، وهو قوله:

فمبلغُ العلمِ فيه أنَّهُ بشرٌ وأنه خير خلقِ الله كلهم

ولم يرض كثير من الصوفية بهذا البيت؛ للنص فيه على بشريته، وأنها منتهى العلم فيه، فغيروه إلى:

مولاي صل وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم

ونسبوا فيه منامًا خاصًّا للبوصيري فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي ألقى بشطره الثَّاني على البوصيري (1) .

وهذه القصة الخيالية المنامية الطريفة حصلت مع البوصيري، وذلك أنه أنشد هذه القصيدة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما زعم - منامًا حتى أتى إلى قوله (فمبلغ العلم فيه أنه بشر) ولم يستطع أن يكمل البيت، فقال له - صلى الله عليه وسلم: (اقرأ) . قال البوصيري: إني لم أوَفَّق للمصراع الثاني (2) .

فقال - صلى الله عليه وسلم: (قل: وأنه خير خلق الله كلهم) ؟!.

والرؤيا المزعومة فيها كذب وافتراء وما دعوا وما اختلقوا هذه الأَكاذيب إلا ليرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الكلام المخالف للقرآن الكريم ولهديه - صلى الله عليه وسلم - وفيه شركٌ صريح، وكيف تصح هذه الرؤية والقصيدة مبايعة لدعوة التوحيد التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي من أكذب الكذب.

هذا ويعلم آحاد المسلمين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن مدحه بقوله: (لا تطروني … (الحديث.

ويعلم الناس كذلك قوله - عز وجل: {وما عَلَّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} .

(1) مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي (62) .

(2) أي عجز البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت