ويظهر أن كل هذه التسميات كانت بعد موت البوصيري، أما هو فسماها: (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) ، و أطلق عليها (البردة) من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لكعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد اشتهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى كعبًا بردته حين أنشد القصيدة إنْ صَحَّ ذلك (1) .
ولم يكتف بعضهم بما اخترعوه من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطًا لم يوضع مثلها للقرآن، كالتوضؤ، والاستقبال، والدقة في تصحيح ألفاظها، وإعرابها، وأن يكون القارئ عالمًا بمعانيها إلى غير ذلك، ولا شك أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها للناسِ، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراءة البردة كانت تستدعى في الجنائز والأَفراح نظير أجر معين (2) ، والموالد المبتدعة، بل هي أهم ما ينشد فيها وتُنشَدُ أيضًا في الحروب واحتفالات الحجيج (3) .
و إن مما يؤسف عليه أن يوجد كثير ممن ينتمي إلى الإسلام يحفظ هذه القصيدة عن ظهر قلب و لا يكاد يتتعتع فيها مع هجرانه لكتاب الله تعالى 0
وهذه القصيدة فيها الشرك بأنواعه و تبدي عوار قائلها وفساد معتقده و دينه، بل هي مُباينة لِدعوة التوحيد التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتيك تفصيله وبيانه.
(1) يقول ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 73) : ‹ ورد في بعض الروايات أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاهُ بردته حين أنشده القصيدة … وهذا من الأمور المشهورة جدًا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه، فالله أعلم › ا (. وانظر(قوادح عقيدة البوصيري) (ص 67) وانظر (القول المُستجاد في بيان صِحّة قَصيدة(بانت سُعاد) لإسماعيل الأنصاري، واعتناء عبد العزيز الراجحي.
(2) قوادح عقيدة البوصيري (ص 67) .
(3) مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي لسليمان الفريجي (63) .