وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته ما نصه: (ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من الأَنصار والمهاجرين فهل من هؤلاء مَن سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجابه؟.
وقد تنازع الصحابة - رضي الله عنهم - في أشياء، فهلا سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابها؟ (1) .
أقول: ولو كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - في قبره كحياة الدنيا (2) لذهب إليه الصحابة حين قحطوا وأجدبوا وسألوه أن يدعو لهم ليغيثهم، ولما ذهبوا إلى عمه العباس.
(1) مجموع الفتاوى (10/ 407) .
(2) كما يزعم ذلك الخرافيون مُستدلون بحديثِ «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم» . وهو ضعيف الإِسناد. انظر: القول الجلي (86) الآيات البينات (16) م الدعاء ومنزلته من العقيدة (1/ 759 - 782) الكامل (3/ 945) فيض (3/ 3371) القول البديع (236) تحفة الزوار (44) م الضعيفة (2/ 975) تخريج أحاديث الإحياء (5/ 3458) المطالب (4/ 3853) م البداية والنهاية (5/ 275) خفا (1/ 1178) صيانة (258) السنن والمبتدعات (265) الصارم (266 و 267) علامات النبوة البوصيري (110) م فضل الصلاة (26) م الجامع (3771) بغية الباحث (957) م أوضح (225) هذه مفاهيمنا (26 - 92) الزخار (5/ 1925) م الأستار (1/ 945) الصراع (2/ 856) البروق (58 - 62) الصارم (203 - 205) . أما من ناحية المتن فمن وجوه:
1)انه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس فالقول بثبوت هذا العرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - تشريكًا للمخلوق بالخالق مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه في حياته كان يحب أن تعرض أعماله على الله وهو صائم فكيف يقال أن الأعمال تعرض عليه - صلى الله عليه وسلم -.
2)أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في الحياة الدنيوية لم يكن يعلم بأحوال من غاب عنه إلا عندما يوحى إليه والأحاديث الدالة على هذا كثيرة منها قصة الإفك فلم يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - براءة عائشة رضي الله عنها إلا بعد نزول القرآن و قصة ضياع عقد عائشة رضي الله عنها حيث أمر بطلبه مع وجوده تحت البعير الذي تركبه عائشة رضي الله عنها، فإذا كان - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله في الدنيا فكيف نقول بعلمه في البرزخ. وصدق الله: ? قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ? (سُورَةُ الأعراف: 188) .
3)أن هذا الحديث يخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة منها حديث الحوض المتواتر حيث ورد فيه: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» {البُخاري (رَقم: 6582) ومُسلم (رَقم: 2304) } فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدم علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أحدثه هؤلاء بعده صلوات الله و سلامه عليه فيناقض عرض الأعمال الذي يدل على علمه بأعمال أمته فهذا ضعيف و ذاك متواتر 0
4)إن العرض إنما ثبت في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون سائر الأعمال كما في الحديث: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلام وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ أَيْ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلام» {أخْرَجَهُ: أبو داود (رَقم: 1047,1531) وابن ماجة (رَقم: 1636) والنسائي (رَقم: 1374) } .
5)ثم إنه لو ثبت عرض الأعمال لا يصح الاستدلال به على جواز الدعاء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أو دعائه .... {الدعاء و منزلته من العقيدة الإسلامية (2/ 771 - 781) بإختصار}