فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 670

ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته.

ـــــــ

النسب فلا نعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك قطعا, ولا يمكن المشاهدة لسببه وإنما نعلم ذلك من طريق الظاهر فجازت الشهادة به بالظن, وأما ما عدا النسب والولادة مما تجوز الشهادة به بالاستفاضة فذكر أصحابنا تسعة أشياء: النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل؛ لأن هذه الأمور تتعذر في الغالب معرفة أسبابها ويحصل العلم فيها بالاستفاضة فجاز أن يشهد بها كالنسب, وظاهر كلام أحمد أنه لا يشهد بذلك حتى يسمعه من عدد كثير يحصل له به العلم؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا على ما علمه, وقال القاضي: يجوز من عدلين يسكن قلبه إلى خبرهما لأن الحق يثبت بقول اثنين.

مسألة:"ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص"؛ لأن شهادة الاستفاضة ضعيفة لكونها مبنية على غلبة الظن فالأصل أن لا تجوز وإنما جازت في هذه الأشياء حفظا لها أن لا تضيع كشهادة النسب مثلا بخلاف الحدود والقصاص فإن مبناها على الدرء والإسقاط فاحتيج فيه إلى العلم به ليشهد به. قال عمر رضي الله عنه: اشهد علي مثل الشمس أو دع.

مسألة:"وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته"؛ لأن الله عز وجل قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} إلى قوله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} 1, نص على قبول شهادة القاذف إذا تاب وكذلك الفاسق إذا تاب قبلت شهادته بالقياس على القاذف إذا تاب والتوبة الندم والاستغفار من الذنب والعزم أن لا يعود لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} 2 الآية, وإن كانت مظلمة لآدمي فالتوبة من ذلك التخلص منه برده إلى مالكه والتحليل منه؛ لأن الحق لآدمي فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو إبرائه وتوبة القاذف إكذابه لنفسه؛ لما روي عن عمر أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه, ولأنه بالقذف أثبت العار فبإكذابه نفسه يزيله فإن لم يكن كاذبا. قال: قذفي لفلانة كان باطلا وقد ندمت عليه ولا أعود إلى مثله وأنا تائب إلى الله تعالى منه.

ـــــــ

1 -سورة النور: الآية 4.

2 -سورة آل عمران: الآية 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت