ومن قال لحربي: قد أجرتك أو أمنتك أو لا بأس عليك ونحو هذا فقد أمنه ويصح الأمان من كل مسلم عاقل مختار حرا كان أو عبدا رجلا كان أو امرأة لقول
ـــــــ
"ومن قال لحربي: قد أجرتك أو أمنتك أو لا بأس عليك ونحو هذا فقد أمنه"وذلك أن من أعطى الأمان حرم قتله وماله والتعرض له فأما صفة الأمان فالذي ورد به الشرع لفظتان: أمنتك وأجرتك, لقوله سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 1, وقال عليه السلام لأم هانئ:"قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت"2. وقال:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن", وفي معنى ذلك لا تخف ولا بأس عليك, فقد روي أن عمر رضي الله عنه قال للهرمزان: لا بأس عليك تكلم فلما تكلم أمر عمر بقتله, فقال أنس: ليس لك إلى ذلك سبيل قد أمنته فدرأ عنه القتل, رواه سعيد وغيره, وقال عمر: إذا قلتم لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد أمنتموهم فإن الله يعلم الألسنة, وفي رواية: إذا قال الرجل للرجل لا تخف أو مترس فقد أمنه, وهذا كله لا نعلم فيه خلافا. فأما إن قال له قف أو ألق سلاحك, فقال أصحابنا: هو أمان؛ لأن الكافر يعتقده أمانا فكان أمانا كقوله أمنتك, ويحتمل أنه ليس بأمان لأن لفظه لا يشعر به وهو يستعمل للإرهاب والتخويف فأشبه ما لو قال لأقتلنك.
مسألة:"ويصح الأمان من كل مسلم"بالغ"عاقل مختار"ذكرا كان أو أنثى"حرا كان أو عبدا", وهو قول أكثرهم وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانه كالصبي؛ ولأنه مجلوب من دار الحرب فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم, ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا"3. رواه البخاري. وقال عمر: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم. رواه سعيد؛ ولأنه مسلم مكلف أشبه الحر وأما التهمة فتبطل بما لو أذن له في القتال فإنه يصح أمانه, وأما المرأة فيجوز أمانها في قولهم جميعا وأما الصبي المميز ففيه روايتان قال أبو بكر: يصح أمانه رواية واحدة لأنه
ـــــــ
1 -سورة التوبة: الآية 6.
2 -سبق تخريجه.
3 -سبق تخريجه.