عجز لزمه الوفاء لهم إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم.
فصل
وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها, ولا يجوز عقدها إلا من
ـــــــ
مسألة:"إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم"لأن في رجوعها إليهم تسليطا لهم على وطئها حراما وقد منع الله ورسوله رد النساء إلى كفار قريش بعد صلحه على ردهن في قصة الحديبية وهي مشهورة, رواه أبو داود وغيره, وفيها: فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن بقوله: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} 1.
فصل
مسألة:"وتجوز مهادنة الكفار إذا رأى الإمام المصلحة فيها"ومعناها أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة بعوض وغير عوض ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة, وذلك جائز لقول الله سبحانه: {بََرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2, وقال: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} 3, وروى مروان ومسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين ولا يجوز إلا النظر للمسلمين إما أن يكون بالمسلمين ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة ولا تتقدر بمدة بل هي على ما يرى الإمام من المصلحة في قلتها وكثرتها. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين وهي اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي؛ لأن قوله سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 4, عام خص منه مدة العشر بصلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية على عشر ففي ما زاد عليها يبقى على مقتضى العموم, ووجه الأول أنه عقد يجوز في العشر فجاز فيما زاد كمدة الإجازة والعام مخصوص في العشر لمعنى هو موجود فيما زاد عليها وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب, فإن قلنا بجوازه في الزيادة لم يجز مطلقا من غير تقدير لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية, وإن قلنا يتقدر بالعشر فعقد على أكثر من ذلك فسد في الزيادة وكان في العشر على وجهين مبنيين على تفريق الصفقة.
مسألة:"ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه"لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة على ما قدمنا؛ ولأن عقد الهدنة يكون مع جملة من الكفار وليس لأحد من المسلمين إعطاء الأمان لأكثر من القافلة لأن في تجويز ذلك افتئاتا على الإمام أو نائبه في
ـــــــ
1 -رواه أبو داود في الجهاد: حديث رقم 2765.
2 -سورة التوبة: الآية 1.
3 -سورة الأنفال: الآية 61.
4 -سورة التوبة: الآية 5.