إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحبتي في الله: نهاية العالم: متى؟ وكيف؟! هذا هو عنوان لقائنا معكم في هذا اليوم المبارك، وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعًا من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي معكم في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولًا: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة.
ثانيًا: الملاحم الكبرى.
ثالثًا: وصدق الله ورسوله.
وأخيرًا: ورقة عمل.
فأعيروني القلوب والأسماع جيدًا، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعًا بنصرة الإسلام وعز الموحدين, إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولًا: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة: أحبتي في الله: لا يستطيع عاقلٌ على وجه الأرض فضلًا عن عالم أن يجزم بشكلٍ قاطع وفي وقتٍ محدد بنهاية العالم بقيام الساعة، لا يعلم وقت قيام الساعة ملكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، فهذا من علم والغيب الذي استأثر به الله جل وعلا وحده، قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب:63] وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:42 - 46] .
وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أمين وحي السماء جبريل عليه السلام سأل أمين أهل الأرض محمدًا صلى الله عليه وسلم: (متى الساعة؟ فقال المصطفى: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) .
ومع ذلك فإن الله جل وعلا أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على أمارات الساعة وعلاماتها، بل وعلى كل الأحداث التي ستقع في الكون بين يدي الساعة, فتدبر معي.
قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن:26 - 27] وقال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255] وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: إن رسول الله بشر، يتكلم في الغضب والرضا، قال: فأمسكت عن الكتابة، ثم ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:1 - 5] ومن ثم قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] فما من شيءٍ إلا وأخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم.
تدبروا ما رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبةً ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله) .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر -ظل النبي واقفًا على المنبر يخطب في الصحابة من الفجر إلى الظهر- قال: فنزل فصلى الظهر ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، قال: فنزل فصلى -أي: العصر- ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس، قال: فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا) أي: لكلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فما من شيءٍ وقع، وما من شيءٍ قائمٍ بيننا الآن, وما من حدثٍ سيقع في السنوات المقبلة بين يدي الساعة وإلا وقد أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فما تحياه الأمة الآن من واقع معاصر، وما سيشهده العالم من أحداثٍ دامية مؤلمة في السنوات المقبلة إلا وأخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
نعم! لقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم واقعنا المعاصر تجسيدًا دقيقًا، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر, وذراعًا بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن) .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا, أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت) .
ومع ذلك فقد أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى, عن زوال هذه المحنة وكشف هذه الغمة، وأخبرنا عن نصرة الله للإسلام والمسلمين، وعن إذلال الله للشرك والمشركين، ووالله ثم والله إننا الآن لعلى مقربةٍ شديدةٍ من وقوع هذه البشريات النبوية المحمدية الصادقة مع ما نراه من واقعٍ مُرٍ أليم؛ لأن الذي سيهيئ الكون كله في الأيام والسنوات المقبلة ليحدث على الأرض ما أخبر به الصادق هو ملك الملوك جل جلاله، ومدبر الكون ومسير الأمر الذي يقول للشيء: كن فيكون.