أيها الموحد! أعرني قلبك وسمعك، وانتبه معي! واقرأ معي التاريخ قراءة سريعة جدًا، فمن كان يظن أيها الأحباب أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن كان الحبيب المصطفى وحده في مكة يدعو لدين الله؟! فقد أوذي صلى الله عليه وسلم، وألقي التراب على رأسه، وألقيت النجاسة على ظهره، وطرد من بلده ومن بيته، وهاجر أصحابه تارة إلى الحبشة، وتارة إلى المدينة، وبعد سنوات لا تساوي في حساب الزمن شيئًا على الإطلاق جاء الحبيب إلى مكة مع عشرة آلاف موحد لله جل وعلا؛ ليحطم الأصنام حول الكعبة، وفي مكة زادها الله تشريفًا يأمر الحبيب بلالًا رضي الله عنه أن يرتقي على ظهر الكعبة ليعلن أنشودة التوحيد العذبة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله؛ إنه وعد الله جل وعلا.
ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن ظهرت فتنة المرتدين بوجهها الكاذب بعد موت المصطفى صلى الله عليه وسلم، وظهر مدعو النبوة المهرجون الكاذبون؟! ويومها قيض الله للإسلام وللمسلمين ابن الإسلام البار الصديق رضي الله عنه، فقام الصديق فجيش الجيوش، وأخمد نار الفتنة في مهدها، وأطفأ هذه النيران المشتعلة التي كادت أن تلتهم الأخضر واليابس، وخرج الإسلام من هذه الفتنة كأعظم وأقوى ما يكون.
ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد الحروب الصليبية الطويلة المدمرة، التي دنس فيها المسجد الأقصى على يد الصليبيين في المرة الأولى؟! وها هو اليوم يدنس على أيدي اليهود في المرة الثانية، وأسأل الله جل وعلا أن يقيض للأمة صلاح الدين كما قيض للأمة ولمقدساته أول مرة صلاح الدين؛ فقد قيض الله صلاح الدين بعد سنوات طويلة تزيد على قرن من الزمان، فطهر المسجد الأقصى، وحرر الأرض، وأعاد للإسلام وللمسلمين عزتهم في موقعة حطين الحاسمة، نسأل الله أن يعز الإسلام، وأن ينصر المسلمين.
ومن كان يظن أيها الشباب! أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن جاء التتار والمغول بهجماتهم الشرسة، فسفكوا الدماء، ومزقوا الأشلاء، وامتلأت الشوارع بالقتلى؟! وقع هذا بدون مبالغة، حتى جسد الإمام ابن الأثير رحمه الله هذه الفجيعة وتلك المأساة تجسيدًا بليغًا في كلمات موجزة فقال: لقد أعرضت عدة سنين عن ذكر هذه الحادثة، فأنا أقدم رجلًا وأؤخر الأخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب بيديه نعي الإسلام والمسلمين؟ فيا ليت أمي لم تلدني! ويا ليتني مت قبلها وكنت نسيًا منسيًا! حتى قيض الله للإسلام البطل الشاب قطز، فحرر الأرض، وأعاد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزتهم في الموقعة الحاسمة التي تسمى (بعين جالوت) ومن كان يظن أن يرغم إخواننا الأفغان أنف الدب الروسي الغبي الوقح، وهم الذين يقلون عددًا وعتادًا وعدة؟! ولكن يوم أن تخلى إخواننا الأفغان عن شروط النصر كانت الفتنة.
هذا الذي وقع ورب الكعبة لا يزيدينا إلا يقينًا في الله، ولا يزيدنا إلا تصديقًا لكلام الحبيب رسول الله، فيوم أن تجردت القلوب ورفعت الراية لتكون كلمة الله هي العليا كان النصر بحول الله جل وعلا، ويوم أن دب حب الدنيا في القلوب كانت هذه النتيجة التي نعلمها جميعًا، ولا ينبغي لنا أن ندفن رءوسنا في الرمال كالنعام، وأن نغض الطرف عن هذا الواقع، بل إنني أود أن أقول لكل شاب: إن هذا الواقع لا يزيدك إلا يقينًا في الله، ولا يزيدك إلا تصديقًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولكن من كان يظن أن يرغم إخواننا أنف الدب الروسي الوقح على أرض أفغانستان؟! ولكن للأسف الشديد يركز العلمانيون والضعفاء على الصورة المزرية، وعلى الهزائم دائمًا وأبدًا، مع أنه ينبغي أن نركز ولو قليلًا من الضوء على حجم الانتصارات التي لو قورنت بحجم ضعف المسلمين، وحجم قوة أعدائهم لكانت انتصارًا لا ينبغي أبدًا أن يغض العاملون الطرف عنه، ولكن للأسف الشديد لا نركز إلا على الأخطاء، ولا تركز المجاهير المكبرة إلا على الزلات والسقطات، فإن زل شاب هنا أو هنالك ألصقت التهمة كلها بالإسلام ودين الله! بل وأصبح الدين اليوم مثارًا للخلاف، مع أن الدين هو الأصل الذي ينبغي أن يرد إليه كل خلاف، مع أن الدين هو الحصن الذي ينبغي أن يتحصن به كل عالم، لا أن ينصب أحد من نفسه مدافعًا للرب عن هذا الدين؛ فإن الدين عزيز، وإن الإسلام عزيز، وإن السنة غالبة، وإن رسول الله هو رسول الله حقًا وصدقًا، لا يحتاج هذا الدين إلى من يدفع عنه، أو إلى من ينصب نفسه مدافعًا ليدفع عنه، بل إن الدين هو الحصن الذي ينبغي أن يتحصن به كل خائف، وأن يلوذ إليه كل مضطرب؛ فإن الدين هو الأمن والأمان الذي يجب أن يأتمنه وأن يتحصن به كل داعية، وكل عالم، وكل مسلم ومسلمة.
أيها الأحبة! حجم الانتصار في أفغانستان حجم كبير.
ومن كان يظن أيها الأحباب! أن يصمد المسلمون في الشيشان في هذه البوتقة الصغيرة التي تقل عددًا وعدة وعتادًا وقوة عن هذا الجيش الروسي الجرار؟! ومن كان يظن أن تدوم الحرب إلى يومنا هذا؟! سمعت لقاءً على تلفاز أمريكا مذيع في الـ ( CNN) يجري حوارًا مع جوهار دوداييف رئيس دولة الشيشان ثبته الله وإخوانه، ويقول له: يوم أن قتل ولدك في أرض المعركة هل حزنت على قتله؟ أتدرون ماذا قال هذا الرجل؟ والله لقد قال كلامًا لا نسمعه إلا من العلماء المجاهدين كأمثال عبد الله بن المبارك وكأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال هذا الرجل: لا وقت للأحزان حتى نحرر الشيشان من الروس، وأن نرفع عليها من جديد راية الإسلام! هل كان أحد يصدق أو يظن أو يتوقع أن يسمع هذا الكلام في أرض دنست طيلة سبعين عامًا بالحكم الإلحادي الكافر المشرك على يدي الدب الروسي الغبي الوقح؟! لا ورب الكعبة! فلقد كان أحدهم إذا أراد أن يقرأ صفحة من كتاب الله اختفى عن العيون والأنظار ودخل تحت السراديب ليطالع صفحة من كتاب الله.
ومن كان يظن أن تستمر الحرب في البوسنة إلى يومنا هذا؟! لقد أجمع المحللون والعسكريون ووكالات الأنباء والصحفيون على أن الحرب لن تستمر في الشيشان إلا أيامًا معدودة، وأجمعوا على أن الحرب لن تستمر في البوسنة مع الصربيين الكفرة إلا أسابيع معدودة.
وها نحن نرى -ولله الحمد- أن الحرب في البوسنة تحولت إلى ملحمة إسلامية رائعة، فلقد كنا نعلم أن المرأة البوسنية كانت تتزوج بالأمس القريب بالنصراني بدون أي قيود أو ضوابط أو شروط، ووالله ما عاد البوسنيون إلى إسلامهم إلا بعد هذه الحرب، فقد ردتهم هذه الحرب لهويتهم، وارتفعت من جديد كلمة الإسلام، وعلا صوت النبي عليه الصلاة السلام.
وأقسم يقينًا لو علم الصرب أن هذه الحرب سترد البوسنيين إلى دينهم ما أعلنوها على البوسنيين يومًا واحدًا بعد أن ذابوا في بوتقة هذا الغرب الكافر، ولكنه أمر الله يا عباد الله! إنها الساعات التي تسبق -إن شاء الله تعالى- ضوء الفجر؛ فإن أشد ساعات الليل سوادً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم ورب الكعبة! وأقول لكم: إننا لا نخشى على الإسلام، بل نخشى على المسلمين إن تخلوا عن الإسلام، فإن تخلى المسلمون عن الإسلام ذلوا، ووضعت النعال على رءوسهم، وانتهكت مقدساتهم، وسفكت دماؤهم، وانتهكت أعراض نسائهم، وهذا واقع لا ينبغي أن ننكره، فوالله ما نرى هذا الذي نراه الآن إلا لأن الأمة قد تخلت عن الإسلام، وهذه حقيقة ينبغي أن تستقر في القلوب والعقول.
ولكن أقول: إن الإسلام دين الفطرة، ودين الكون كله، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران:83] , ولو كفرت الإنس والجن، فالإسلام دين الله ودين الله قاهر.