إذا كان هذا هو قدر اليتيم عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء القرآن يحذر وينذر بصورة تحذير رهيب وإنذار شديد لمن يتطاول ويتجرأ على أكل مال اليتامى ظلمًا بغير حق، فلقد قال الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] الله أكبر! أي رعبٍ هذا؟! أي إنذار شديد هذا؟! والله إنه إنذار يخلع القلوب الحية، وينذر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء:10] فكم من أموالٍ لليتامى قد أكلت ظلمًا، بل ومن الذي سلم إلا من سلمه الله جل وعلا، ووالله إن شربة ماء من أموال اليتامى بغير حق إنما هي نار تغلي في البطون، وإن لقمة خبز من أموال اليتامى بغير حق إنما هي نار تتأجج في البطون {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] .
ولما نزلت هذه الآيات نزلت على قلوبٍ حية، نزلت على قلوبٍ تستمع إلى القرآن لتنطلق على الفور لتحول القرآن إلى وقع وإلى منهج حياة، كان حالهم عجيبًا وعجبًا، ليس كحالنا اليوم، فإننا نستمع إلى أوامر الله أمرًا أمرًا، وإلى نواهي الله نهيًا نهيًا، وإلى حدود الله حدًا حدًا، ولا يستجيب إلا من رحم ربك، وينطلق البعض أو الأكثرون وكأنهم لم يسمعوا شيئًا، كأن الله لم يأمر، وكأن الله لم ينهَ، وكأن الله لم يحد حدًا، واجب على الناس أن لا يتعدوا حدود الله جل وعلا، لما نزلت هذه الآيات في مجتمع الصحابة الذي رباه من رباه الله ليربي به الدنيا صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآيات فزع الصحابة فزعًا شديدًا، وتزلزلت قلوبهم زلزلة عظيمة، وذهب كل صحابي في بيته يتيم ففصل ماله عن مال اليتيم كله، وشرابه عن شراب اليتيم كله، حتى أن الأكل كان يوضع بين يدي اليتيم -كما قال ابن عباس - فيأكل اليتيم فإذا ما تبقى شيء من الطعام لا تمتد إليه الأيدي مطلقًا حتى يفضل هذا الطعام، فإن أكله اليتيم مرة ثانية وإلا خرب وفسد، وشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جل وعلا الذي لا يغيب ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي يربيهم بمنهجه وقرآنه أنزل قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:220] وقد ظن بعض المفسرين أن هذه الآية الأولى منسوخة بآية البقرة وهذا وهم وخطأ، فإن آية البقرة آية محكمة لم تنسخ ولكن هذا من باب التخفيف عن هؤلاء الخيار الكرام الذين وقعوا في مثل هذا الحرج الشديد.
{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220] يعلم من الذي يفسد أموال اليتامى، ويعلم من الذي يريد أن يصلح أموالهم وأن ينميها ويربيها لهم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:220] وهكذا -أيها الأحبة- يأتي هذا الوعيد الشديد من الله تبارك وتعالى لآكل مال اليتيم.