* قال الإمام أبو سليمان الخطابي - رحمه الله - في معالم السنن (2/ 219) عند كلامه على حديث أبي سعيد t:"وفي الحديث دليل على أن إخراج القيمة لا يجوز، وذلك لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم فدل على أن المراد بها الأعيان لا قيمتها".
القول الثاني: يجب إخراجها من غالب قوت البلد، سواء كان من المنصوص أو غيره، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة في رواية.
[انظر: الشرح الكبير للدردير (1/ 504) ] .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
-ما أخرجه ابن عدي في الكامل (7/ 55) ، والدارقطني في السنن (2/ 152) من حديث ابن عمر t: أن رسول r قال:"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم".
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإغناء في قوله:"أغنوهم"، والإغناء يحصل بالقوت، والقاعدة في الأصول: [أن المطلق يصدق على جميع صوره] .
[انظر: المغني (4/ 293) ] .
-القياس: أي قياس غير المنصوص مما يقتات على المنصوص بجامع غلبة الإقتيات في كلٍ، والحكم جواز الإخراج.
مناقشة أدلة المالكية:
بالنسبة لحديث:"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، فهذا الحديث ضعيف، وقد تقدم بيان وجه ضعفه، والقاعدة في الأصول: [أن الحديث الضعيف ليس بحجة في إثبات الأحكام] ، ثم لو ثبت فلا دلالة فيه على جواز إخراج غالب القوت؛ لأن الأمر بالإغناء جاء مطلقا، وقد عارضه حديث ابن عمر t السابق، والذي فيه الأمر بإخراج الصاع من التمر أو الشعير، والقاعدة في الأصول: [أنه يجب حمل المطلق على المقيد عند التعارض إذا اتحدا في الحكم والسبب] ، وهذا هو الحال هنا.
قال ابن قدامة في المغني (4/ 293) :"والإغناء يحصل بالإخراج من المنصوص عليه، فلا منافاة بين الخبرين لكونهما جميعا يدلان على وجوب الإغناء بأداء أحد الأجناس المفروضة".
أما القياس فيجاب عنه من وجوه:
-أن هذا القياس غير منصوص على علته، والقاعدة في الأصول على الصحيح: [أن القياس غير المنصوص على علته ليس بحجة في إثبات الأحكام] .
-أن هذا القياسَ فاسدُ الاعتبار، إذ هو معارِضٌ لحديث ابن عمر t:"فرض رسول الله r زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير ..."، والقاعدة في الأصول: [أن فساد الاعتبار قادحٌ في صحة القياس] ، وبعبارة أخرى: [إذا تعارض النص والقياس قدم النص] .
-أن هذا القياسَ قياسٌ بعلة تعود على الأصل بالإبطال، وجه ذلك: أن تعليل وجوب التمر والشعير ... بكونه غالب القوت، مجوز لإخراج غيرها، ومفضٍ إلى عدم وجوبها على التعيين، والقاعدة في الأصول: [لا يجوز التعليل بعلة تعود على الأصل بالإبطال] ، وقد حكي الاتفاق على ذلك.
[انظر: تيسير التحرير (4/ 31) ، مختصر ابن الحاجب (2/ 228) ، البدر الطالع (2/ 208) ، شرح الكوكب (4/ 80) ] .
-أنه لا يسلم بوجود وصف الإقتيات في الزبيب والأقط بالنسبة لأهل المدينة، وقد ورد في الحديث ذكرهما منسوقا بـ أو الدالة على التخيير، والقاعدة في الأصول: [أن عدم وجود الوصف في الأصل قادح في صحة القياس] . (قادح منع وجود الوصف في الفرع) .
قال ابن قدامة في المغني (4/ 295) :"ويدل على ما ذكرنا أنه خيّر بين التمر والزبيب والأقط، ولم يكن الزبيب والأقط قوتا لأهل المدينة، فدل على أنه لا يعتبر أن يكون قوتا للمخرج".
-أنهم لا يقولون بجواز إخراج الخبز في الفطرة [انظر: الذخيرة للقرافي (3/ 170) ] مع أنه من غالب قوتهم، وهذا ما يسمى بقادح النقض، والقاعدة في الأصول: [أن النقض قادح في صحة القياس] ، وبعبارة أخرى: [لا يصح القياس على العلة المنقوضة] .
[انظر: المحلى لابن حزم (6/ 119) ] .
وقد يناقش هذا: بأنهم يعتبرون وصفا آخر مع كونه غالب القوت، وهو كونه مدخرًا، وعليه فالعلة مركبة لا بسيطة، والخبز ليس مما يدخر.
[انظر: الذخيرة للقرافي (3/ 169) ] .
القول الثالث: يجب إخراجها من المعشر، وكذا الأقط في الأظهر، وفي معناه اللبن والجبن، وهذا مذهب الشافعية.
[انظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني (2/ 117) ] .
* المعشر: ما يجب فيه العشر أو نصفه، وضابطه عندهم: كل مدخر مقتات.
[انظر: المجموع للنووي (5/ 438) ] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)