-أن هذا القياسَ فاسدُ الاعتبار، إذ هو معارِضٌ لحديث ابن عمر t:"أن رسول الله r أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، والقاعدة في الأصول: [أن فساد الاعتبار قادحٌ في صحة القياس] ، وبعبارة أخرى: [إذا تعارض النص والقياس قدم النص] .
-أن هذا قياسٌ على أصلٍ مخصوصٍ من الأصول، وبعبارة أخرى: قياس على موضع الاستحسان، ووجه ذلك: أن الأصل عدم جواز أداء الواجب قبل وجوبه، لكن دل الدليل على جواز تقديم زكاة المال فخصصناه من الأصول، والقاعدة في الأصول - عند الحنفية: [لا يجوز القياس على أصلٍ مخصوصٍ من الأصول] ، ومأخذهم في ذلك: أن ما دلت عليه الأصول مقطوع بصحته، وما يقتضيه القياس على المخصوص مظنون، ولا يجوز إبطال ما يقطع بصحته بما تظن صحته، ولا يقطع به، وعليه فقد تناقض الحنفية في تقرير هذه المسألة، ومن القواعد المقررة في علم الجدل: أن التناقض دليل بطلان المذهب.
[انظر: ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي - رحمه الله - ص: 157] .
قال ابن الهمام الحنفي - رحمه الله - في شرح فتح القدير (2/ 42) :"يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْقِيَاسُ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّبَبِ هُوَ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَسُقُوطِ مَا سَيَجِبُ إذَا وَجَبَ بِمَا يُعْمَلُ قَبْلَ الْوُجُوبِ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَلَا يَتِمُّ فِي مِثْلِهِ إلَّا السَّمْعُ".
-أنه لا يسلم بجواز تعجيل زكاة المال، لما أخرج أبو داود في السنن (1573) من حديث علي t مرفوعا:"ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول"، وهذا نفي بمعنى النهي، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، وهذا ما يسمى في الأصول بقادح: منعِ حكمِ الأصل، والقاعدة في الأصول: [لا يصح القياس على ما لم يثبت حكمه بالدليل] .
(فائدة أصولية)
* الجواب عن هذا القادح يكون بأحد ثلاثة طرق:
1 -التفسير (أي تفسير الحكم بما يسلم به الخصم) ، 2 - بيان موضع التسليم (أي تسليم الخصم بفرع من فروع المسألة) ، 3 - الدلالة (أي أن ينصب الدليل على حكم الأصل) .
[انظر: ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي ص: 163] .
ونوقش هذا الوجه: بأنه قد قام الدليل على جواز تعجيلها، ألا وهو حديث علي t عند الترمذي في السنن (678) :"أن النبي r تعجل من العباس زكاة سنتين"، والقاعدة في الأصول: [أن إقراره r يدل على الجواز] . (الجواب بواسطة الدلالة) .
وردت هذه المناقشة: بأن هذا الحديث مردود، في إسناده: حُجيّة بن عدي الكندي مجهول، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره] .
[انظر: تهذيب التهذيب (1/ 366) ] .
-أنه ثمة فارق مؤثر بين زكاة المال وزكاة الفطر، فزكاة المال المقصود منها إغناء الفقير بها في الحول كله، فجاز إخراجها في جميعه، وزكاة الفطر المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص، فلم يجز تقديمها قبل الوقت، والقاعدة في الأصول: [أن الفارق المؤثر قادح في صحة القياس] ، وبعبارة أخرى القاعدة في الأصول: [لا يصح القياس مع الفارق] .
[انظر: المغني لابن قدامة (4/ 301) ] .
القول الثالث: أنه يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها بيوم أو يومين، وهذا مذهب المالكية في المشهور، والحنابلة، وبه قال الكرخي من الحنفية.
[انظر: مواهب الجليل للحطاب المالكي (3/ 272) ، المغني لابن قدامة الحنبلي (4/ 300) ، بدائع الصنائع للكساني الحنفي (2/ 74) ] .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -ما أخرجه البخاري (1511) عن نافع عن ابن عمر t قال:"فرض النبي r صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بر، فكان ابن عمر t يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيرا، فكان ابن عمر t يعطي عن الصغير، والكبير، حتى إن كان ليعطي عن بني، وكان ابن عمر t يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)