القول الأول: أنه لا يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها مطلقا، وبهذا قال المالكية في رواية، والظاهرية، والحسن بن زياد من الحنفية.
[انظر: التاج والإكليل (3/ 170) ، المحلى (4/ 261) ، بدائع الصنائع (2/ 74) ] .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -ما أخرجه الشيخان [خ (1053) ، م (2335) ] من حديث ابن عمر t:"أن رسول الله r أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
وجه الاستدلال بالحديث: من قوله: (أمر ... ) ، فهذا أمر منه r بأدائها في ذلك الوقت (قبل خروج الناس إلى صلاة العيد) ، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي ضده] ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، وعليه فتعجيلها قبل هذا الوقت محرم.
وأجيب عنه:
بأن النهي الإلتزامي المستفاد من حكاية الأمر النبوي مصروف من التحريم إلى الكراهة، والصارف له إجماع الصحابة على جواز أدائها قبل الفطر بيوم أو يومين، حيث جاء عن ابن عمر t في البخاري (1511) : وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، والقاعدة في الأصول - عند جماعة: [أن قول الصحابي: كانوا يفعلون إذا لم يضفه إلى زمن النبي r يعد إجماعا] ، [انظر: البدر الطالع للمحلي (2/ 125) ] ، والقاعدة في الأصول: [أن الإجماع حجة في إثبات الأحكام] .
قال موفق الدين ابن قدامة - رحمه الله - في المغني: (4/ 301) :"فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز، لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر t قال: فرض رسول الله r صدقة الفطر من رمضان - وقال في آخره - وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا".
ونوقش هذا الجواب من وجوه:
-أنه لا يسلم بأن قول الصحابي كنا نفعل إذا لم يضفه إلى زمن النبي r يعد إجماعا، وذلك لأمرين اثنين:
الأمر الأول: أنه لا يدل على فعل جميع الأمة، بل جماعةٍ منهم، والقاعدة في الأصول- على الصحيح-: [أن الإجماعَ المعتبرَ في إثبات الأحكام قولُ جميع الأمة أو فعلها] .
الأمر الثاني: أن نقله أحادي، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن الإجماع لا يثبت بخبر واحد] .
-أن ما جاء في البخاري بلفظ:"كانوا يعطون ..."ليس من كلام ابن عمر t كما فهم ابنُ قدامة رحمه الله، بل من كلام نافعٍ مولاه، ويدل على ذلك سياق الحديث، حيث جاء بلفظ:"فكان ابن عمر يعطي عن الصغير، والكبير، حتى إن كان ليعطي عن بني، وكان ابن عمر t يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين"، وعندهم أن قول التابعي كانوا يفعلون لا يفيد الإجماع.
قال أبو حامد الغزالي - رحمه الله - في المستصفى (1/ 131) :"وأما قول التابعي: كانوا يفعلون، لا يدل على فعل جميع الأمة بل على البعض، فلا حجة فيه إلا أن يصرحَ بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع".
-ليس في كلام نافع - رحمه الله - بيان المُعطى، وأنهم الفقراء حتى يقال بجواز التعجيل، وعليه فيحتمل أن يكون الدفع لعامل الزكاة، وهو - أي: عامل الزكاة - يدفعها إلى الفقير قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، والقاعدة في الأصول: [أن الاحتمال المساوي يسقط الاستدلال] ، وعند ابن خزيمة (2230) بسند صحيح عن أيوب السختياني أنه قال لنافع: متى كان ابن عمر يعطي الصاع؟ قال: إذا قعد العامل، قلت: متى كان العامل يقعد؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين.
2 -ما أخرجه ابن عدي في الكامل (7/ 55) ، والدارقطني في السنن (2/ 152) من حديث ابن عمر t: أن رسول r قال:"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم".
وجه الاستدلال بالحديث: من قوله: (أغنوهم) ، فهذا أمر منه r بإغناء الفقراء في ذلك اليوم (يوم العيد) ، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي ضده] ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، وتعجيلها قبل يوم العيد يفوت الإغناء، وعليه فيكون حرامًا.
وأجيب عنه من جهتين:
الجهة الأولى: الثبوت:
فهذا الحديث ليس بثابت - مردود - في إسناده أبو معشر نجيح السندي، وهو سيء الحفظ [انظر: تهذيب التهذيب (4/ 215) ] ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره] .
الجهة الثانية: الدلالة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)