وقد قام بعدها كالفن بملاحقة كل من يتبع أراء هذا الطبيب , وتم إعدامهم على أبواب المدينة , وسبق لكالفن أن قطع رأس رجل يدعى (جاك جروت) لأنه خالف أراء كالفن فقط , وكان يأمر أحيانًا أن يسلخ جلد الشخص المهرطق ثم يصب عليه الزيت الحار حتى يشوى جسده ويموت حرقًا!! وبعضهم كان يسلخ جلده ثم يصب الملح عليه بعد ذلك ويقذف في الزيت!!.
رابعًا: تلك بعض فضائع الكنائس هناك , ولابد لنا ونحن ندرس حال أمة ألا نغفل تاريخها , فكثير من الدارسين اليوم يجعل التاريخ خلف ظهره , والحق أن الأمم والشعوب تمتلك حسًا قويًا وإن كانت لا تظهره , وهذا الإحساس سينطق يومًا وتعود إليه الحياة , وكثير من المسلمين اليوم التجأ إلى تاريخ الحضارة الإسلامية وأمجاد الممالك الإسلامية وأخذ يداعب أوتاره ليجعل الأمة تصحوا أو تحافظ على أمجادها , وهكذا النصارى أو اليهود والهندوس والبوذيون يسعون لتعليم أطفالهم وشبابهم مآثر أجداهم وتاريخهم وبطولاتهم.
ولسنا نحن وحدنا الذين نتجانس مع التاريخ ونفر إليه عند حدوث المصائب والنكبات , ولكنه شعور بشري عام أن يذكر الإنسان تاريخ وبطولات أبائه وأجداده , وإنك اليوم لتجد رئيس الدولة يفتخر أحيانًا بعائلته وتاريخها ويحرص أن ينقل ذلك التاريخ في مذكراته ليتعلم أبنائه من بعده ولا يعد الناس ذلك عيبًا أو تعصبًا لماضي قديم , وهكذا شأن العامة والشعوب يتعصبون لأعراقهم وتواريخهم , ويقولون بصوت واحد (كذلك وجدنا آبائنا يفعلون) .
خامسًا: هذه الكلمات لبيان جزء من تاريخهم وتعصبهم فقط , ولعل القارئ يدهش عندما يعلم أن سويسرا ذلك البلد المنفتح أما الإعلام والحضارة كما نظن , الذي يأتيه السياح من أقطار الأرض ليتنعموا بجبال الألب في قلب أوروبا , هذه الدولة ورثت تعصبها وانغلاقها إلى وقت قريب , وربما إلا الآن , ولذلك لم تعترف بحق النساء في التصويت والمشاركة في البرلمانات إلا في عام 1972 , بعد حوارات ومخاصمات ومهاترات طويلة , محاولات مضنية لجعل السويسريون يلحقون بركب الحضارة العالمية التي يزعمون , بينما كثير من دول العالم الثالث كما يسمونها سلّمت قيادها لركب الحضارة الأوربية قبل هذا التاريخ بخمسين سنة.
سادسًا: وبسبب انغلاق الشعب وتعصبه لم تنظم سويسرا للأمم المتحدة إلا في عام 2002, بعد أن كانت نتيجة الاستفتاء الذي أقيم في عام 1986تعارض انضمامها بأغلبية عظمى تجاوزت 75%.
والآن ما هي المشكلة:
تكمن المشكلة أن أغلب مسلمي سويسرا من الأوربيين الأصلين أي من سويسرا أو دول البلقان الأوربية , ومع ذلك يجري استفتاء في تحديد طريقة بناء مساجدهم , وتتضاعف المشكلة في أن الاستفتاء شعبي وصادر من الشعب , وهذا بحد ذاته يعتبر مؤشر الخطر , فليست الحكومة هي التي اتخذت قرارها وهذا يعني أنّ هناك احتقان وتجييش للعامة والشعب ضد المسلمين وحدهم , فالقرار والتصويت لم يمس ويشمل المعابد اليهودية ولا البوذية.
والنصارى اليوم في العالم يشهدون صحوة دينية لا مثيل لها , وقد بدأت الدعوة للعودة للنصرانية , وبدأت الكنائس تتنافس على تقديم الخدمات العصرية للناس لمواجهة ضغط الحياة المادية القاسية على البشر , وأما العلمانية والحداثة فقد بدأت تتراجع شعبيتها حتى في فرنسا نفسها , وأصبحت فرنسا تشكوا من المدّ الديني النصراني , وأصبحت الدنمارك والنرويج والمانيا ناهيك عن إيطاليا تفاخر بنصرانيتها وجذورها النصرانية , وإذا كانت المدن الكبار مثل باريس وجنيف أقل شكوى من ظهور المدّ الإسلامي , فإن المدن الأخرى التي تقع في الضواحي أو البعيدة عن التعددية السكانية قد بدأت تتنامى فيها ظاهرة العداء للإسلام وأهله.
والحق إن الناس في أوروبا سئموا من دعاوى الرأسمالية والاشتراكية الساقطة , وذاقوا ويلات الجوع والحرب بسببها , ولذلك بدئوا يبحثون عن المخرج ... والمخرج سيكون في العودة للدين أيًا كان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)