نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا]] (27) لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال عمر:"إنّي لأعلم أيّ يوم نزلت هذه الآية؛ نزلت يوم عرفة، في يوم الجمعة" (28) .
أمّا صيام هذا اليوم -يوم عرفة-؛ فيكفيه فضلا ما رواه أَبو قَتَادَةَ اْلأنْصَارِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رسول اللّه صلّى الله عليه و سلّم (( سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَ البَاقِيَةَ ) ) (29) . قال بعض العلماء أنّ الحديث"معناه يُكفّر ذنوب صائمه في السّنتين، قالوا: و المراد بها الصّغائر، و هذا يشبه تكفير الخطايا بالوضوء، فإنْ لم تكن هناك صغائر يُرجى التّخفيف مِن الكبائر، فإنْ لم يكن رُفعت درجات" (30) ، و"قال إمام الحرمين: المكفّر الصغائر. و قال القاضي عياض: و هو مذهب أهل السنّة و الجماعة، و أمّا الكبائر فلا يكفّرها إلا التّوبة، أو رحمة الله" (31) ، و عن تكفير السَّنة الباقية و إشكاله قال المباركفوري:"فإن قيل: كيف يكون أنْ يكفّر السّنة الّتي بعده مع أنّه ليس للرّجل ذنب في تلك السّنة؟! قيل: معناه أنّ يحفظه الله تعالى مِن الذّنوب فيها، و قيل: أنْ يعطيه من الرّحمة و الثّواب قدرا يكون ككفّارة السّنة الماضية و السّنة القابلة إذا جاءت و اتّفقت له ذنوب" (32) .
ثامنا/ الذِّكر:
هذه الأيّام؛ أيّام ذِكرٍ للّه سبحانه و تعالى بجميع أنواعه؛ مِن تكبير، و تسبيح، و تهليل، و تحميد، و دعاء، و استغفار، و قراءة قرآن ... ، قال اللّه تعالى في آية الحجّ: [[لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] ] (33) ، و نقل البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي اللّه عنهما- في تفسير (الأيّام المعلومات) ؛ قوله: أنها أَيَّامُ الْعَشْرِ الأوائل مِن ذي الحِجّة (34) ، و قد أكّدت السنّة النّبوية على الذّكر و الإكثار منه في هذه الأيّام، بما رُوي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم: (( ما مِن أيّام أعظم عند الله، ولا أحبّ إليه العمل فيهنّ مِن هذه الأيّام العشر، فأكثروا فيهنّ مِن التّكبير، و التّهليل، و التّحميد ) ) (35) ؛ و ما أمر نبيّنا عليه الصّلاة و السّلام بالإكثار مِن التّهليل و التّكبير و التّحميد في هذه الأيّام المباركة دون غيرها من الأذكار، إلاّ لأنّها من آكد العبادات و الشّعائر فيها، و أمّا بقية الأذكار الّتي أشرتُ إليها مستحبّة أيضا لدخولها في عموم معنى الذِّكر كما قال علماؤنا. و قد نُقل عن سلف الأمّة -رضي الله عنهم- أنّهم كانوا يلهجون بذكر الله منذ دخول العشر، و يُعلنون ذلك في بيوتهم و مساجدهم و أسواقهم و أماكن أعمالهم، و يذكرون الله على كلّ أحوالهم.
و يتأكّد هذا الذِّكر أكثر في يوم عرفة؛ قال الإمام النّووي -رحمه الله-:"و اعلم أنّه يُستحبُّ الإِكثار مِن الأذكار في هذه العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عرفة أكثر من باقي العشر" (36) .
تاسعا/ التّكبير:
التّكبير و إنْ كان مِن جملة الذّكر، إلاّ أنّني أحببتُ أن أعقد له هنا عنوانا خاصّا لورود ذِكره في النّصوص و الآثار المتعلّقة بالأيّام العشر أكثر مِن غيره مِن الأذكار؛ و لم يسبق لي أنْ قرأتُ كلاما يُلخّص موضوع التّكبير في الأيّام العشر أحسن ممّا قرأتُه لفضيلة الشّيخ الدّكتور عبد العزيز بن فوزان الفوزان، لذلك و لِغناه اكتفيتُ بتقييده هنا كاملا دون إضافة شيء؛ قال حفظه اللّه و نفعنا بعلمه:"و الإكثار من التّكبير و الجهر به من الشّعائر الّتي يشابه بها المقيمون حجّاج بيت الله الحرام."
و قد أصبح التّكبير في هذا الزّمن من السّنن المهجورة، و لا سيما في أوّل العشر فلا تكاد تسمعه إلا مِن القليل. فحرِيّ بالمسلمين أنْ يحيوا هذه السنّة فيفوزوا بأجر العمل، و أجر إحياء سنّة تكاد تندثر.
و أمّا صفة التّكبير، فليس له صفة يجب الالتزام بها، و الأمر في ذلك واسع، و المقصود هو كثرة الذّكر على أيّ صفة مشروعة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)