ـ [الدرر السنية] ــــــــ [12 - 01 - 09, 06:46 ص] ـ
المفاهيم العقدية في أحداث غزة
بين الثبات والضياع
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف على موقع الدرر السنية
14/ 1/1430هـ
الحمد لله الواحد القهار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار.
أما بعد:
فلقد أظهرت أحداث غزة المؤمنة، غزة الصابرة، كثيرًا من المعاني والمفاهيم العقدية التي تكلم عنها العلماء قديمًا وحديثًا، فكانت ابتلاءً وامتحانًا للمسلمين وتمحيصًا لهم: ?وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ? [العنكبوت:11] ، فأظهر الله حقائق الإيمان وأثرها على أرض الواقع وهذا مما يزيد المؤمن يقينًا ويزيد أهل هذه المعاني ثباتًا على دينهم وجهادهم.
فما حصل في غزة ليس شرًا محضًا بل فيه خيرٌ كثير يعرفه من نوَّر الله بصيرته بالإيمان، قال الله تعالى: ?كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون? [البقرة:216]
ومن تابع الأحداثَ، ومجرياتِ الأمور، وشاهدَ ما حصل لأهل غزة، وما تبع ذلك من تصريحاتٍ، وبياناتٍ، وفتاوى، ومظاهراتٍ، ظهر له جليًا الفرقُ بين دراسة مسائل الإيمان والعقيدة نظريًا في المساجد والفصول الدراسية، وبين تطبيق مقتضياتها في ميادين الجهاد وعلى أرض الواقع، حيث تُمحَّص القَناعات، ويظهر أثرُ اليقين على النفوس، ويثبِّتُ الله من أراد به خيرًا من أهل الصدق وحسن التوكل عليه، ويوفقه للعمل بمقتضيات الإيمان والتقوى، و أسُّ هذا الأمر: المعتقد الصحيح الذي من تمسَّك به علمًا واستدلالًا كان أقرب للتحقق به عملًا، فجمع الله لأهل الثغر بين الفضيلتين، ومن هذه المعاني التي تجلت بوضوح سواءً لأهالي غزة أو لغيرهم من المؤمنين الصادقين والتي دلت على ثباتهم ورسوخ عقيدتهم: الإيمانُ بالقضاء والقدر، وصدقُ اللجوء إلى الله عز وجل والتوكلُ عليه، ومعاني الأخوة الإيمانية، وحُسْنُ الظن بالله، واليقينُ بموعودِ الله ونصره، وفي المقابل: هناك قوم سقطوا في الفتنة وخدشوا توحيدهم أو نقضوا إيمانهم بمظاهرة الكافرين على المسلمين وإخلالهم بعقيدة الولاء والبراء وسوء ظنهم بالله تعالى.
ومن هنا كان لابد من إيضاح هذه المعاني لأن أحداث غزة باتت امتحانًا عمليًا اجتازه من وفقه الله وسقط فيه من لم يرد الله به خيرًا ?ألا في الفتنة سقطوا? [التوبة:49]
أمّا الإيمانُ بقضاءِ الله وقدرِه: فهو ركنٌ من أركان الإيمان، كما في الحديث الصحيح: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فلا يستقيم إيمانُ العبد إلا به، وقد تجلَّى هذا واضحًا في أحداث غزة، حيث شاهد كثيرٌ من الناس على الشاشات الإعلامية مرات عديدة من فقدوا جميع أهليهم وذويهم أو أكثرهم والطائرات فوق رؤوسهم وهم يرددون: الحمد لله، الحمد لله على قدر الله. ومنهم من يقول: نحسبهم شهداء عند الله، وغيرها من العبارات الإيمانية، فلله درُّهم!. أمَّا المجاهدون فقد ضربوا أروع المثل بإيمانهم بقضاء الله وقدره، صبرٌ بلا جزع، ورضىً بلا هلع، ونحن بدورنا علينا أن نؤمن بأن ما يصيب أهل غزة اليوم من قتلٍ وتدميرٍ وجرحٍ وألمٍ وجوعٍ هو قضاء الله في عباده المؤمنين، ?قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ? (التوبة:51) ، وأن تكالب الأعداء من اليهود والنصارى والمنافقين على إخواننا المسلمين في غزة وحصارهم وقتلهم إنما هو من قدر الله، وقدر الله نافذ وهو موافق لحكمته ولا يكون قدر الله إلا خيرًا. ?وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ? [محمد:4]
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)