ـ [سامي عبد العزيز] ــــــــ [22 - 03 - 09, 04:42 م] ـ
القول الثاني: أنه لا ينقض الوُضُوء (4) ، واستدلُّوا على ذلك بما يلي: ....
(4) انظر: «الإنصاف» (2/ 54) .
1 -حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ـ: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تركُ الوُضُوء مما مسَّت النار» ، رواه أهل السُّنن (1) .
ووجه الدلالة أن قوله: «مما مسَّت» عام يشمل الإِبل وغيرها، وقد صرَّح بقوله: «كان آخرُ الأمرين» ، وإِذا كان آخر الأمرين، فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشَّريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخًا للأول.
2 -حديث ابن عباس، أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الوُضُوء ممَّا خَرَج، لا ممَّا دخل» (2) .
(1) رواه ـ بهذا اللفظ ـ أبو داود، كتاب الطهارة: باب في ترك الوضوء مما مسَّت النار، رقم (192) ، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء مما غيَّرت النار
(1/ 108) رقم (185) ، وابن حبان رقم (1134) عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وأُعِلَّ بعلتين:
1 -أنه مختصر من حديث جابر الطويل؛ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ ثم أكل خبزًا ولحمًا، ثم صَلَّى ولم يتوضَّأ، قاله أبو حاتم الرازي، وأبو داود، وابن حبان، وابن
حجر.
قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أكل كتفًا ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن
يكون شعيب حَدَّث به من حفظه فوهم فيه. «العلل» لابنه (1/ 64) رقم (168) .
2 -قال الشافعي: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إِنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل. «التلخيص الحبير» رقم (155) ـ وعبد الله هذا صدوق
في حديثه لين، ويُقال تغيَّر بآخره كما في «التقريب» .
ويشهد لمعناه ما رواه البخاري رقم (5457) عن جابر أنه سُئل عن الوضوء مما مسَّت النار؟ فقال: لا.
(2) رواه الدارقطني (1/ 151) رقم (545) ، والبيهقي (1/ 116) .
وضعَّفه: البيهقي، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «التلخيص» رقم (158) .
وأجيب عن هذين الدَّليلين بما يلي:
أما حديث جابر: «كان آخر الأمرين ترك الوُضُوء مما مسَّت النار» ، فلا يعارض حديث الوُضُوء من لحم الإِبل، فضلًا عن أن يكون ناسخًا له؛ لأنه عام، والعام يُحمل على الخاصِّ، باتِّفاق أهل العلم، فيخرج منه الصُّور التي قام عليها دليل التَّخصيص، ولا يُقال بالنسخ مع إِمكان الجمع؛ لأن النَّسخ مع إمكان الجمع إبطال لأحد الدَّليلين، مع أنه ليس بباطل.
والغرض من حديث جابر: بيان أن الوُضُوءَ مما مسَّت النَّار ليس بواجب؛ فإِن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان قد أمر بالوُضُوء مما مَسَّت النارُ، وصحَّ عنه الأمر بذلك، فقال جابر: «كان آخُر الأمرين تركَ الوُضُوء مما مسَّت النار» .
والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمر بأمرٍ وفعل خلافه، دَلَّ على أن الأمر ليس للوجوب.
وأصَّلَ بعضُ أهل العلم أصلًا ليس بأصيل، ومالَ إِليه الشَّوكاني (1) ، وهو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمرَ بأمرٍ، وفعل خلافه، صار الفعلُ خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله للوجوب.
وهذا ضعيف؛ لأنَّ سُنَّة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم تشمل قوله صلّى الله عليه وسلّم وفعله، فإِذا عارض قولُه فعلَه، فإِن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولًا وفعلًا، ولا يجوز أن نحمله على ....
(1) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل (1/ 253) وباب استحباب الوضوء مما مسته النار (1/ 262) .
الخصوصية مع إِمكان الجمع، لأن مقتضى ذلك ترك العمل بشطر السُّنَّة، وهو السُّنَّة الفعلية.
وأما حديث ابن عباس فضعيف، وإِن صَحَّ موقوفًا (1) ، فقد خُولف.
فظهر بذلك ضعفُ دليل من قال: إِن لحمَ الإِبل لا ينقضُ الوضوءَ، ويبقى حديثُ الوُضُوءِ من لحمِ الإِبل سالمًا من المعارض المقاوم، وإِذا كان كذلك، وجب الأخذ به، والقول بمقتضاه.
(1) رواه البيهقي (1/ 116) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس به. وهذا إِسناد صحيح رجاله رجال الصحيح.
وانظر: «فتح الباري» شرح حديث رقم (1938) .
انتهى من (الشرح الممتع على زاد المستقنع) ، لابن عثيمين - رحمه الله -.