فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 43996 من 67893

وإذا أردنا أن نتصور هذه المسألة فلنضرب لها مثالًا: فلو أن أحدًا أراد أن يُعظِّم أباه فكان عند استيقاظه يقف صامتًا متوجهًا إلى منزل والده، وهو مع ذلك يتمتم ببيت معين من الشعر، ويحرك يديه بطريقة معينة يداوم عليها؛ فإذا سئل عن ذلك قال: هذه مجرد عادة لا مدخل فيها لبدعة، ولي أن أعظم والدي بأي طريقة أراها!

فماذا نحن قائلون؟ لا ريب أن حكم كل من رآه أن يقول: إن هذا الفعل يشبه العبادة المشروعة، ومن هنا كان السلوك بالعادات مسلك التعبدات بدعة محرمة.

ولا يؤثر في الحكم أن تكون السمات التعبدية واحدة أو مجموعة؛ فإن كانت مجموعة؛ ـ كالذي قلنا في مثال تعظيم الوالد ـ كان أظهر في معنى الحدث، وإن كانت سمة واحدة فهي داخلة في دائرة التعبد؛ فكان ذلك من البدع.

إن الأشياء التعبدية المحضة التي لا يُعقل معناها على التفصيل لا تكون إلا من الله ولا تُصرف إلا إليه؛ ولهذا يصدق عليها اسم البدعة في الحالين.

قال الشاطبي في"الاعتصام" (2/ 80) بعد ذكره وضع المكوس في معاملات الناس بأن ذلك قد يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما، أو لنيل حطام الدنيا؛ كعمل الغاصبين ( .. أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدِّين الموضوع، والأمر المحتوم عليهم دائمًا، أو في أوقات محدودة علي كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع الدائم الذي يُحمل عليه العامة ويؤخذون به، وتوجه على الممتنع منه العقوبة؛ كما في أخذ زكاة المواشي ... فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة ... فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك؛ لأنه شرع مستدرك .. فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة .. ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت [أي دائمًا] ؛ كما يؤخذون بسائر التكاليف؛ فاجتمع فيها نهيان: نهىٌ عن المعصية، ونهى عن البدعة، وليس ذلك موجودًا في البدع في القسم الأول، وإنما يوجد به النهي من جهة كونه تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب، إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية؛ بل نفس التشريع هو نفس الممنوع) .

بين البدعة والمعصية:

فإن قيل: إن المعصية بترك الواجب وفعل المحرم إيقاع للشيء على غير الوجه الذي أرادته الشريعة فلم لم تُدخل في البدع؟

فالجواب: أن هذا الإيراد من أسهل مسائل هذا الباب؛ وذلك للاتفاق على أن ترك الواجب، وفعل المحرم عزيمة لا خيرة فيها للمكلف؛ كوجوب الترك لما نتفق على كونه بدعة، بخلاف مسائل البدع الأخرى فالخلاف واقع في جواز الفعل.

وغاية ما يريده الباحثون في موضوع البدعة هو الوصول إلى صدق اسم البدعة ليُوصل به إلى حكم المنع، والمنع في المعصية متحقق باتفاق؛ فلأجل ذلك كان هذا المبحث سهلًا يسيرًا.

ولو قيل: إن المعصية بدعة لكان له وجه؛ لما ذُكر في هذا الإيراد؛ لكن الأظهر أنها لا توصف بذلك؛ لأن النهي عن فعل المحرم عام مطلق لم يُحدد بزمان أو مكان أو صفة، وإنما أُريد من المكلف فيه مطلق الترك، وكذلك واجب الفعل إذا كان مطلقًا.

كما أن المخالف للأمر والنهي لا توجد عنده نية التعبد بالمخالفة، ولا إيقاعها على وجه محدد، ولم يقع فيها مضاهاة لما شرعه الله.

وقد تأيد هذا الأصل بترك جماهير السلف إطلاق اسم البدعة على المعصية المجردة.

مسائل تدخلها البدعة:

إعلان شعائر الصلاة في مكبرات الصوت الخارجية:

إعلان بعض الأعمال التعبدية مقصود للشريعة؛ كإعلان الأذان؛ حيث صار شعارًا لها؛ فإن وُجد عمل تعبدي الأصل فيه عدم الإعلان فلا يجوز أن يُسلك به هذا السبيل، وتُعتبر هنا قاعدة المضاهاة؛ فلا يُشرع تعمد إعلان شعائر الصلاة في مكبرات الصوت الخارجية.

ولا مجال هنا للتعليلات العقلية؛ كقول البعض: إن هذا ينبه الغافل على أن الصلاة قد أقيمت؛ فإن هذا تعبدي، وقد وجد المقتضي لفعل مثله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو إعلان الإقامة على أبواب المساجد أو أسطحها ولم يُفعل فدل على أنه غير مشروع.

والله عز وجل قد شرع الأذان لإحاطة الناس بقرب إقامة الصلاة، وشرع الإقامة لإحاطة من في المسجد بأوان الشروع فيها؛ فلا يجوز أن تراعى معاني أخرى لم تقصدها الشريعة؛ فإن هذا عين الاستدراك عليها.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت