وإذا كان إعلان التلاوة مجردة من خلال هذه المكبرات غير مشروع، ويستنكره قلب كل من سمعه فإن إعلان شعائر الصلاة لا يختلف عن هذا.
كما أن الناس يستنكرون إعلان دعاء الأذان المشروع في المكبرات بعد أدائه، والذي حدث هو مجرد الإعلان.
ولنحذر في هذا المقام من تأثير الإلف والعادة؛ فإنها المانعة من التأمل والنظر.
ولا يسري هذا على نقل شعائر الصلاة من خلال وسائل الإعلام؛ فإن هذه الوسائل لا تُبث في أماكن عامة حتى تأخذ صفة الشعار؛ فالتحكم فيها بيد مالك الوسيلة من تلفاز أو مذياع؛ بخلاف إعلان شعائر الصلاة عبر مكبرات الصوت الخارجية فهي ظاهرة ملزمة.
وقارن في هذا بين الدعاء وشعائر الصلاة، وكلاهما تعبدي؛ فلو تم الدعاء في وسيلة إعلامية لم يظهر فيه ما يُستنكر، ولكن لو اُتخذت مكبرات المساجد الخارجية لهذا الغرض لظهرت هنا معاني الشعار ومضاهاة المشروع، وقل مثل ذلك في تلاوة القرآن تظهر شرعيتها في هذه الوسائل، ولا تظهر هذه الشرعية في إعلانها في مكبرات المساجد الخارجية.
السلام والمصافحة بعد السلام من الصلاة:
كثير من الناس يستدل لشرعية هذا العمل بعمومات النصوص، أو إطلاقاتها. والناس فِي هذه المسألة طرفان ووسط:
فمنهم من يستحب المصافحة بعد الصلاة مباشرة وقبل أداء الأذكار الواردة، حتى وإن كان قد سلّم على صاحبه قبل الصلاة، ولم يفصل بينهما إلا أداؤها، وتراه يداوم على ذلك؛ فهذا قد اعتقد الخصوص أو التقييد بغير دليل، وخالف بذلك القاعدة؛ لأنه لا معنى يفهم من ذلك إلا أن السلام مستحب بذاته بعد الصلاة مباشرة.
ومنهم من لا يسلم على من جاوره مطلقًا خشيةً من وقوعه فِي البدعة ـ على حد زعمه ـ فيثير الوحشة مع إخوانه المسلمين من غير مستند.
ومنهم وسط متبع للشريعة مؤد للحقوق؛ فإن كان قد سلم على صاحبه قبل الصلاة، ولم يفصل بينهما إلا الصلاة فإنه لا يُعيد السلام؛ لأن الصلاة لا تعتبر فِي الشريعة فاصلًا، ولأنه لا يتمحض من هذا السلام إلا اعتقاد استحباب السلام بعد الصلاة على الخصوص دون دليل خاص، وإن لم يسلم عليه قبل الصلاة؛ فسلم عليه بعد إتيانه بالأذكار المشروعة؛ فليس في فعله محظور ولا بدعة؛ بل هو مأجور مشكور، وكان بفعله هذا قد استعمل نصوص السلام على إطلاقها دون تقييد.
وممن قال بعدم مشروعية السلام بعد الصلاة عز الدين ابن عبد السلام والشاطبي وغيرهما.
وقال القرافي في"الفروق" (4/ 253) : ( .. ما يفعله أهل الزمان من المصافحة عند الفراغ من الصلاة بدعة غير مشروعة، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ينهى عنه، وينكره على فاعله) .
دعاء ختم القرآن:
الأظهر أن دعاء ختم القرآن غير مشروع لا في الصلاة ولا خارجها، وهذا هو مذهب مالك رحمه الله؛ ففي"المدخل"لابن الحاج (2/ 299) أنه قال حين سئل عنه: (ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس) .
ودليل ذلك هو: عدم ثبوت فعله ولا إقراره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُقال: ربما فعله أو أقره ولم يُنقل؛ فالجواب أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم للشيء التعبدي مع وجود المقتضي لفعله وانتفاء المانع من الفعل، وكون هذا الشيء مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فإن تركه، وعدم نقل فعله والحال هذه كالنص من الشارع على النهي عنه، أو الحكم عليه منه بأنه بدعة.
ودعاء ختم القرآن من هذا الجنس؛ إذْ يستحيل أو يكاد أن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يُنقل، وقد نُقل عمن هو دونه، وهو أنس رضي الله عنه.
وأما فعل أنس رضي الله عنه فلا يدل على مشروعيته؛ فقد ترك المحققون من العلماء أفعال الصحابة أو أقوالهم إذا لم يكن عليها ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا أو تركًا.
فمن ذلك: غرس الجريد على القبر؛ حيث ثبتت الوصية بذلك عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.
ومن ذلك التعريف فِي الأمصار، وهو الاجتماع للدعاء فِي المساجد يوم عرفة من غير الحجاج؛ حيث ثبت فعل ابن عباس رضي الله عنه ما له.
ومن ذلك تعليق التمائم من القرآن والسنة؛ فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ما في ذكر الفزع عند النوم وهو:"بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون"أنه كان يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)