4.الهيئة أو الصفة؛ كما في الصلاة.
5.الاجتماع؛ لصلاة الجمعة والعيدين؛ فلا تصحان إلا بالاجتماع، وبالحركة الموحدة في الأركان، وبالصوت الواحد في التأمين، وقد شُرع لضبطها وجود إمام للمصلين.
6.التكرار والمداومة؛ لمعنى التعبد، وتحصيل الأجر.
7.الاتجاهات؛ كما في القبلة في الصلاة والطواف في المناسك.
8.الأعداد والمقادير؛ كما هو في جميع التعبدات المحضة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والطلاق وعدد النساء.
ولو تأملت في الجامع لهذه السمات في التشريع رأيته ضربًا من التخصيص والتقييد بهذه السمات أو بعضها دون معنى معقول على التفصيل؛ فقصد المكلف في العبادات إلى خصوصٍ أو تقييدٍ لم تدل عليه الشريعة هو ضرب من مضاهاة الشريعة في سنها للأحكام التعبدية؛ فيكون فعلها على هذا الوجه المعين ضربًا من البدع.
وذلك مثل الذكر جماعة بصوت واحد، وتخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام من بين الليالي، وتحرى الدعاء الذي لله عند قبر من القبور، أو عند باب المسجد إذا هم بسفر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند تناول البخور، والتعوذ عند التثاؤب، والمداومة في خطبة الجمعة على قراءة آية:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان .."الآية، أو التزام خطيب الجمعة أمر الناس بالاستغفار نهاية الخطبة الأولى.
وكل هذه الأمثلة يُمكن أن يستدل لها صاحب البدعة بدليل عام أو مطلق.
وأظهر تعليل على أن العمومات والمطلقات لا تصح دليلًا على الصفات المخصوصات والمقيدات هو أنه يلزم من ذلك أن تُحدث صلاة سادسة على صفة صلاة الفجر أو المغرب يجتمع لها الناس ضحى ويؤدونها جماعة في المسجد، ويُستدل لها بمطلق الأمر بالصلاة أو الأمر بعبادة الله، وبمشروعية الجماعة للنوافل، وهذه الأدلة العامة أو المطلقة هي نفسها التي استدل بها المبتدع في الأمثلة المذكورة قريبًا.
وقد أشار إلى هذا اللازم الإمام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (1/ 132) .
فعلى هذا: إما أن يكون استدلال المبتدع بالمطلق والعام لاعتبار الصلاة السادسة صحيحًا، أو أن يكون استدلالنا بها لتصحيح ما ذُكر في هذه الأمثلة باطلًا؛ فلا مناص من أحد الأمرين إلا طريقة ثالثة وهي سنة المتبعين: أن الاستدلال بالعمومات على الصفات المخصوصات كله باطل، وما ينتجه هذا الاستدلال من صفات مركبة جميعه بدعة في الدين، حتى ولو كان كل واحد من هذه الصفات مشروعًا على الانفراد.
وقد قرر هذه القاعدة جمع من الأئمة منهم الإمام ابن دقيق العيد في كلامه عن دلالة العام على الخاص؛ فقال في"إحكام الأحكام" (1/ 200و201) : ( .. إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة، والفعل المخصوص: يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه .. ) .
ورجح رحمه الله أن طلب الدليل الخاص على الشيء المخصوص أصح من إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، ثم استدل بطريقة السلف حين حكموا بالبدعة على أعمال؛ لأنه لم يثبت عندهم فيها دليل، ولم يروا إدراجها تحت العمومات.
وقال الإمام الشاطبي فِي تقرير هذه القاعدة: (ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقة: أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهمًا أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يُقيّد إطلاقها بالرأي .. ) . انظر"الموافقات" (3/ 211) فما بعدها.
وقال في"الاعتصام": ( .. فإن أتى به المكلف فِي ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مقارنًا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار مُتخيلًا أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصودة شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه: كان الدليل بمعزل عن هذا المعنى المستدل عليه) .
وذكر رحمه الله في"الموافقات" (3/ 123) جملة من نكير السلف على من داوم على بعض الأعمال دون دليل خاص، ثم قال: ( .. هذا فيما لم يظهر الدوام فيه؛ فكيف مع الالتزام؟ والأحاديث في هذا والأخبار كثيرة، جميعها يدل على أن التزام الخصوصات في الأوامر المطلقات مفتقر إلى دليل، وإلا كان قولًا بالرأي واستنانًا بغير مشروع، وهذه الفائدة أنبنت على هذه المسألة؛ مع مسألة أن الأمر بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)