والولد، ونحو ذلك.
فهذا لا تدخله البدعة بلا خلاف أعلمه إلا بنية التعبد، أو حصول المضاهاة.
وإذا أردنا أن نلج إلى الأدلة فلنبدأ بضابط محل البدعة؛ حيث دل لصحته أن النصوص التي جاءت بها الشريعة في ذم البدعة بينت ذلك بطرق عديدة منها: الإحداث في"أمر الدين"في قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"متفق عليه من حديث عائشة. ومنها: التحذير من محدثات الأمور في قوله صلى الله عليه وسلم:"وإياكم ومحدثات الأمور"رواه أحمد من حديث العرباض بن سارية.
فما هو الدين أو الأمر الذي نُهينا عن الإحداث فيه؟
فإن قيل: هو كل ما يباشره المرء في حياته من عادة ومعاملة ومأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن، وغيرها من أمور المعاش ـ لأنها محكومة بالدين ـ فإن من لازم ذلك إجراء حكم البدعة فيما اتفقت الأمة على عدم دخولها فيه مما ذُكرت أمثلته من العادات والمعاملات، وهذا باطل؛ فلم يبق من الدين الذي تدخله البدعة إلا ما حدته الشريعة بعدد أو صفة أو مكان أو زمان؛ لأنه هو الدين المُنَزَّل يقينًا.
ولك أن تقول بعبارة أخرى: إن لك التصرف في كل شيء ـ بمقتضى أصل الإباحة ـ من العادات والمعاملات والوسائل حتى تجد حدودًا وضعتها الشريعة؛ فهاهنا يكون الدين الذي منعنا من التصرف فيه، أو التغيير في محدوداته؛ ويُسمى هذا التغيير وذلك التصرف بدعة في الدين.
وهذا ـ كما ترى ـ سهلُ المدرك واضحُ التطبيق.
وكان من طريقة العلماء أنهم لم يجروا البدعة في عادة أو معاملة، وأجروها في جميع المحدودات التعبدية:
أما العبادات المحضة التي يراد بها القربة؛ كالصلاة والصيام والحج فالأمر فيها ظاهر، وأحكامهم فيها معلومة.
وأما ما سواها من المقدرات والمحدودات؛ فمنها:
1.الأعياد الزمانية؛ حيث قال العلماء بأن الأعياد المحدثة بدع مذمومة؛ كعيد المولد، والأعياد القومية؛ كالثورة والاستقلال، والأعياد التاريخية مما له أصول دينية، أو لم يكن؛ كالنيروز وشم النسيم.
ومن المعلوم أن العيد الزائد عن الأعياد الشرعية ليس عبادة محضة، وإنما وجدت البدعة فيه لكون الأعياد قد حُصرت في عيدين فقط؛ فالزيادة عليهما حدث.
2.نكاح التحليل؛ كما قال بذلك الشاطبي في"الموافقات" (2/ 290) أقول: وأقرب تعليل لذلك ما يتضمنه التحليل من تعطيل مقاصد الشريعة في المحدودات، وهي الطلاق الثلاث في أحوال مخصوصة وأعداد مقدرة، وآثارها من البينونة الكبرى، ويكون هذا التعطيل بمنع وقوعها على الوجه الذي حدته الشريعة.
3.إيقاع الطلاق الثلاث جملة؛ كما في"المبسوط"للسرخسي (6/ 4) .
4.إيقاع الطلاق في الحيض الذي وقع على خلاف الحال الذي حددته الشريعة، رغم تجرده من معنى القربة؛ فسموه طلاق بدعة، وهذا محل اتفاق في كتب المذاهب الأربعة، وغيرها.
5.عدة المتوفى عنها زوجها، وانظر"الموافقات"للشاطبي (2/ 213) .
وقد ذهب إلى اعتبار عدم معقولية المعنى لجريان حكم البدعة الإمام الشاطبي رحمه الله؛ فقال في"الموافقات" (2/ 222) : ( .. التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى، وبحيث لا يصح إجراء القياس، وإذا لم يعقل معناه دل على أن قصد الشارع فِي الوقوف عند ما حدّه لا يتعدى .. ) .
وقال رحمه الله: ( .. لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه؛ فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي) .
وقال في"الاعتصام" (1/ 347) : (فإن كان مقيدًا بالتعبد الذي لا يعقل معناه فلا يصح أن يُعمل به إلا على ذلك الوجه) .
وفي"الشرح الكبير" (1/ 672) قال الدردير رحمه الله: ( .. إن الشارع إذا حدد شيئًا كان ما زاد عليه بدعة) .
والدليل على أثر النية في تحويل الفعل والترك العاديين إلى عبادة محضة قوله:"إنما الأعمال بالنيات"متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب.
وأما تحقق وصف البدعة بالمضاهاة في التخصيص والتقييد أو بمجرد الإلف والعادة؛ فيُقال في تعليل ذلك: إن سمات التعبد المحض هي قصد الشريعة في العمل المعين أن يؤتى به على الوجه المعين، وأن أظهر سمات العبادات المحضة اعتبار محدودات منها:
1.مواضع معينة محددة من الجسم؛ كأعضاء الوضوء.
2.المكان؛ كما في الحج، وهو من أبرز سمات المناسك.
3.الزمان؛ كما في مواقيت الصلاة والصيام والحج.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)