وقال العلامة الشاطبي رحمه الله، في فصل عقده في الموضوع بعد تعقيبه على كلام الباجي:"وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حُجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان: الاعتمادُ في جواز الفعل على كونه مختلفًا فيه بين أهل العلم! لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإنَّ له نظرًا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع؟ والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حُجَّة في الجواز لمجرد كونها مختلفًا فيها، لا لدليل يدلّ على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع؛ وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمدٍ معتمدًا، وما ليس بحجّة حجّة" (3) . ثم أورد نقلًا عن الخطابي جاء فيه:"وليس الاختلاف حُجّة. وبيان السنّة حُجّةٌ على المختلفين [يعني فيما أورده من المسائل التي اختلف فيها] من الأولين والآخرين"ثم قال الشاطبي رحمه الله:"والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ به عن نفسه؛ فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتّباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلًا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه" (4) .
وقال الشاطبي رحمه الله مبينًا بعض دعاوى هؤلاء: (( ويقول: إن الاختلاف رحمة، وربما صرّح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر، أو الذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجَّرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كلّه، وجهل بما وضعت له الشريعة، والتوفيق بيد الله"(5) "
وقد قسّم رحمه الله الآخذين بهذا المنهج المنحرف إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الحاكم به، والثاني: المفتي به، والثالث: المقلّد العامل بما أفتاه به المفتي. ثم بين حكم كل قسم إذ قال:"أمَّا الأول؛ فلا يصح على الإطلاق؛ لأنَّه كان متخيرًا بلا دليل، لم يكن أحد الخصمين بالحكم أولى من الآخر، إذ لا مرجح عنده بالفرض إلا التشهي ..."
وأمَّا الثاني؛ فإنَّه إذا أفتى بالقولين معًا على التخيير فقد أفتى في النازلة على الإباحة، وإطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين، وهذا لا يجوز إن لم يكن يبلغ درجة الاجتهاد بالاتفاق، وإن بلغها لم يصح له القولان في وقتٍ واحد ونازلة واحدة أيضًا حسبما بسطه أهل الأصول.
وأيضًا؛ فإنَّ المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا أنه لا يلزمه المفتي ما أفتاه، فكما لا يجوز للحاكم التخيير، كذلك هذا.
وأمَّا إن كان عاميًَّا؛ فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتّباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأنَّ العامي إنَّما حكَّم العالِمَ على نفسه، ليخرج عن اتّباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب؛ فإنَّ العبد في تقلباته دائر بين لَمَّتين: لمّة ملَك، ولمّة شيطان؛ فهو مخيّر بحكم الابتلاء في الميل إلى أحد الجانبين، وقد قال تعالى: (ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها) (إنَّا هديناه السبيل إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورا) (وهدينه النجدين) ...
ثمة قضية أخرى ينبغي مراعاتها في هذا الموضوع، حتى لا تختلط به؛ وهي الفرق بين الطرائق الشرعية في الفتوى، التي يسلكها المفتي الناصح، مراعيًا فهمه للوقائع الخاطئة وطبيعة انتشارها، والآليات التي تؤدي إلى الحكم الصحيح؛ وأعني بذلك فقه التدرج في التطبيق، لا التدرج في التشريع، إذ إن التدرج في التشريع قد انتهى زمنه بانقطاع الوحي، فالحلال حلال والحرام حرام منذ نزل به الوحي، إلا أنَّ الحرام قد يحتاج إلى تدرج في سبيل الخلاص منه، كالفتوى لمن ابتلي بالتدخين بأن يقلل منه في بداية عزمه على التخلص منه، حتى لا يثقل عليه تركه، فيفشل في تركه والانقطاع عنه؛ فهذه السبيل في الفتوى تبقي المحرم محرما، وتسعى في الخلاص منه بالتدرج في التخلي عنه، لسبب يخص المسألة محلّ الفتوى؛ ويشهد للتدرج في التطبيق: نصوص التدرج في التشريع، مع بقية أدلة الأمر بالمستطاع من مثل قول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، ومن السنة من مثل قول النبي e في الصحيح: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، و إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
نسأل الله تعالى الثبات على الحق، مهما خالفه الخلق ..
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وآله.
(1) جامع العلوم و الحكم، لابن رجب: 1/ 97.
(2) نقلًا عن الشاطبي في الموافقات:5/ 90 - 91.
(3) الموافقات: 5/ 92 - 93.
(4) الموافقات: 5/ 93 - 94.
(5) الموافقات:5/ 94.