شاهدت الحشد العربى وقد بدأ من تورخم بعد نقطة الحدود الباكستانية بأمتار قليلة، ثم فى
المزارع الجماعية، وحتى وصلنا إلى جبل سمر خيل من واجهته المقابلة للطريق، وفى أحضان
شعابه الأولى، هناك قابلت أبو المنذر"محمد مكاوى"للمرة الأولى، وكان أبوأسامة"عبد العزيز"
علي"قد سبقنى بالزيارة وعاد في نفس اليوم."
وفى الليل بسط أبو عبد الله الخرائط العسكرية وبدأ يتحدث عن إنتشار قواته وقوات العدو
وإستعداده للعمل على المطار ويطلب إستشارات في ذلك. وفهمت فورًا أنه لا يريد أن يناقش
أصل المسأله وهى: هل نشارك أم لا نشارك؟، وحول اللقاء بذكاء شديد وحنكة إلى جلسة
لمناقشه كيفية المشاركة، بل كان أكثر تحديدًا من بذلك فقد وضعنا في ركن ضيق جدًا كى
نناقش أفضل الطرق للمشاركة حسب خططه التى إكتملت ملامحها الرئيسية، وباقى فيها بعض
الرتوش، وهذا هو المطلوب إبداء الرأى فيه. لم أكن في حاجة إلى ذكاء كبير كى أفهم إنه
يرفض مناقشة الموضوع الذى حضرت لأجله وكانت أوراقى قد وصلت إليه قلا.
فى صباح اليوم التالى بدأ الطيران يقصف عليناوحوالينا بكثافة ملحوظة. وتوجهنا بالسيارة وبالأقدام إلى جسر سراتشاه. قالوا أن حافة المطار قريبة بأقل من ثلاثة كيلومترات، وكان معنا
أبو حفص وأبو المنذر وصابر وغيرهم.
وكان أبو عبد الله يريد تركيز عده هاونات فيما بين النهر وحافة مرتفعة مرصوفة بالأحجار في إتجاه المطار وفاجأتنا الطائرات بالقنابل العنقودية التى إنفجرت فوق رؤسنا فإنبطحنا على أرض لا نكاد نجد بها إلتواء ولو قليل.
وإنتشرت القنابل الصغيرة حولنا في كل مكان ودوت مئات الإنفجارات وظننت أنها تنفجر بين قدمى ويدى لذا شددت كل عضلاتى بقوة وبطريقة لا إرادية في محاولة غريزية للأمساك بأعضائى حتى لا تمزقها وتبعثرها الإنفجارات الكثيرة جدًا القريبة للغاية.
وأدهشنى أننى قمت بعد ذلك سليمًا معافى، وكذلك الجميع رغم كوننا في وسط دائرة التفجيرات وقبل أن تغادرنا الطائرات ضربت قنبلة بيننا وبين قرية"كريز كبير"القريبة، تصاعدت منها حلقة صفراء لامعة لم أشك في أنها غاز سام، فأسرعت إلى الكاميرا وإلتقت لهاعدة صور.
عاد أبو حفص الذى كان الأقرب جهة القرية كى يقول أن رائحة وطعم الغاز يملأ أنفه وفمه
رغم بعد المسافة.
لم تنقطع الصواريخ وقنابل الطائرات أو المدفعية، والمجاهدون متناثرون على طول الطريق وتحت الجسور التى تمر من تحته، وقد إتخذوها مراكز عسكرية للمبيت وأطلاق الصواريخ. وتعجبت أن الطيران لم يحاول تخريب الطريق العام وتدمير تلك الجسور التى أصبحت خنادق قتال، وأستنتجت من ذلك أن العدو يريد الطريق سليما إذن لابد أنه يفكر أو يجهز لهجوم معاكس لإستعاده مواقعه المفقودة، وما دام شهر رمضان قريب فالأنسب أن يكون الهجوم قريبًا من أيام العيد حين يقل عدد المجاهدين في الجبهات إلى حده الأدنى.
والذى حدث هو أن العرب وعدد من القادة المخلصين المتعاونين معهم مثل خالد، وساز نور، إنجنير -مهندس - محمود، قد حركوا زخما قتاليًا عاليًا في الجبهة وتقدموا إلى اليسار من جسر سرتشا وقرية كريز كبير حتى وصلو كما ذكر أبو عبد الله في أقواله إلى قرية شيخ مصرى. فإمتد خط جبهتهم إلى حوالى 15 كيلومترًا، وفقد العرب عدد من أفضل كوادرهم مثل صخرى وشفيق"زملائى في بارى وغيرهم كثير. لقد حصلوا على كثير من الغنائم ذهب معظمها إلى الأفغان، وحصلوا على دعاية كبيرة لجبهة"جلال آباد"، ولم ينتبه أحد إلى عنصر الإستدراج، ربما غير المقصود أو المقصود، في ذلك كله فخط الجبهة طويل، وعدد العرب قليل بالنسبة لإحتياجات الدفاع عنه رغم إن ذلك العدد نفسه كثير بالنسبة لعدد العرب في أفغانستان، خاصة وأن في المتواجدين أكبر كمية من القيادات أو مشاريع القيادات المستقبلية."