جليًا بين البطولة الحقة، وحقارة الذين إتخمتهم الأموال ولزوجة الحياة الذليلة في الخليج.
لقد قتل عبد الرحمن الإماراتى على موقع للشيوعيين فوق إحدي المرتفعات وكان يقتحم الموقع على من فيه من الجنود مستخدمًا القنابل اليدوية ومدفعه الرشاش وقد أصيب بعدة طلقات في صدرة وقتل في الحال.
ومع المقال صورة للشهيد قبل دفنه وقد إرتسمت على ملامحه القوية النبيلة آيات السكينة ولو أراد أحدهم أن يتخيل أبهى صورة لفارس مسلم في صدر الإسلام ما تكونت في ذهنه أفضل من تلك الصورة لعبد الرحمن الإماراتى.
* على كل حال فإن ما جاء في الصحف العربية بعد ذلك بسنوات عن المتطوعين العرب في
أفغانستان والذين أطلقوا عليهم مصطلح"الأفغان العرب"كان عملية إغتيال معنوى مهدت
لأحكام الإعدام، وبررت عمليات التعذيب والمطاردة التى لم يسبق لها مثيل حتى لمجرمي
الحرب النازيين الذين فروا من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.
كان شهر رمضان في ذلك العام (1409 ه 1989 م) شديد الوطأة. لم يكن ذلك بسبب شدة حرارة أو برودة، بل العكس فالجو كان ربيعيًا معتدلا.
ولكن ما يحدث في جلال آباد كان فظيعًا وغير عادى. فجثث الأفغان الواردة من الجبهة إلى
بشاور فاق عددها ما يمكن أن يتخيله أحد. أما العرب فقد حمل أبو عبد الله لواء المعركة،
ورغم كل التحذيرات والدلائل الواضحة، مضى فيها بأقصى قوته، ومن خلفه الدكتور عبدالله
عزام في مجلة الجهاد يكتب بها كل ما يشعل عواطف المسلمين من قصص شهداء جلال آباد
وكراماتهم، والدولة الإسلامية الموعودة، ومؤامرات العالم عليها، وفتوحات جلال آباد والغنائم
التى حازها المجاهدون من أسلحة ومعدات وعتاد. كان ذلك صحيحًا، ولكنه الجزء المضئ
ولكنه الأصغر من الحقيقة التى تقول أن تلك المعركة كانت ورطة محكمة عن سبق إصرار
وترصد سقط فيها المجاهدون الأفغان، وقفز خلفهم بكل شهامة وغباء، المجاهدون العرب،
وما لبث أن تخلص منها الأفغان تدريجيًا، بينما زاد العرب من تورطهم فيها.
بعد إستشهاد صخرى ثم على عبد الفتاح، وقبلهم وبعدهم كثيرون ثم إصدارى تلك الأمنية غير
المعقولة بأن أحاكم، ثم أحكم بالإعدام على المسئولين العرب عن مجازر جلال آباد أصدقائي
الثلاثة قائد وأركان حرب"القاعدة". أصبح الوضع بعدها لا يحتمل، فتعجلت سفرى إلى
الإمارات، ولم أنتظر لقضاء العيد مع أسرتى رغم أن ذلك يؤلمهم كثيرًا ولكنهم قدروا حالتى
النفسيه السيئة نتيجة الأحداث ولم يمانعوا في سفرى، وإن لم يكونوا قد رحبوا به. ومن حسن
الحظ أن أم زوجتى، وهى أيضًا عمتى، أخت أبى، كانت مقيمة عندنا. فقد جاءت إلينا من
مصر لزيارتنا، فوق كرسى متحرك، لكنها ملأت البيت بهجة بمغامرات أطفالنا معها
ومحاولاتها، الفاشله عادة، في تأديبهم.
الثلاثاء 13 رمضان / 18 أبريل 89
أظنها المرة الأولى التى أجد أحدًا في إنتظارى في مطار أبوظبى.
كان المطار هادئًا والحركة فيه بطيئة، ربما كان من أثر الصيام، كانت إبنة أخى تقف وحيدة