"روالبندى"بأن عينت قائدًا لمعارك جلال آباد وهو الجنرال"عبد الرحيم وردك"وهو من
أقرب الجنرالات الأفغان للولايات المتحدة، وهو بطل عملية"القمة الجليديه"التى تدعى
المخابرات الأمريكية إنها نفذتها مع وردك ورجاله على طريق كابل جلال آباد. وكانت عملية
ضخمة وخسائر السوفييت فيها كبيرة كما يدعون."لم أعثر على أى دليل أوشاهد يؤكد ذلك"
لكن ما فائدة"وردك"وهو خلف الحدود بينما المجاهدون في الداخل يموج بعضهم في بعض؟.
الفائدة واضحة جدًا، فلا بد من أن يرسل أحدهم شاحنات إلى معسكرات المهاجرين ويجمع
المجاهدين من كل مكان، ويعلق على أكتافهم البنادق ويدفعهم صوب محرقه جلال آباد، ثم
تتكفل عربات الأسعاف السريعة بإحضار الجثث والأشلاء الممزقة كى تدفن مرة أخرى فى
بشاور. فالمطلوب هو المزيد من الجثث ثم المزيد من المعوقين حتى يأتى اليأس ويحل محل الفرحة والثقة التى أعقبت الإنسحاب السوفيتى، وهكذا يكون الشريك الأفغانى، مهاجرية ومجاهدية أكثر مرونة وطواعية لأى حل سياسى مهما كان، مادام النصر ليس ممكنا ولا أمل
من الحرب إلا مزيد من الجثث ومزيد من المعوقين ومزيد من الأرامل الأيتام.
هذه فائده قائد عسكرى فذ مثل"وردك"وفائدة حكومة من سماسرة الحروب والخراب مثل
حكومة"روالبندى"... حكومة المجاهدين!!.
المدهش إنه في قمة المأساه إندفع إخواننا العرب إلى جلال آباد وكأنهم لايدرون ولا يسمعون.
بدأ الشباب يحزمون حقائبهم ويتحركون إلى هناك، أكثرهم ذهب ضمن مجموعات الأحزاب
الأفغانية خاصة تنظيمى خالص وسياف.
وفجأة تحرك"أبو عبدالله"أسامة بن لادن، هو الآخر مع مجموعة من الشباب، وبدأ يطلب
المزيد منهم والمزيد من الأسلحة والذخيرة ثم أعلن النفير العام بين جماعته"القاعدة"ثم تبعته
جماعة الجهاد المصرية بشكل آلى (!!) رغم معارضتها لكل ما يحدث في أفغانستان!!.
ثم تبعة مستقلون من عرب الجزيرة واليمن، وكان الحشد مثل كرة الثلج يتعاظم كلما إنحدر إلى
أسفل، وكانت الأمور تنحدر إلي أسفل بسرعة كبيرة.
ذهبت إلى أبو عبيدة وأبو حفص، وكان يسكنان في نفس المنطقة من بشاور، ودار بيننا
حديث ساخن على مدى يومين، فلم يظهرا أمامى إتفاقًا كام ً لا، لأسباب تنظيمية طبعًا، ولكننا
إتفقنا على أن المعركة غير مناسبة للعرب، وطلب منى أبو عبيدة أن أكتب ملاحظاتى تلك فى
مذكرة صغيرة يأخذها معه إلى أبو عبد الله في جلال آباد.
كنا في شهر مارس 1989 م، رجب 1409 ه. ذهب أبو عبيدة ومع الأوارق مكتوبة بخط
اليد، نظرًا لعدم معرفتى الكاملة بأبى عبدالله فقد تصورت أنه يمكن أن يقتنع ويتراجع عن
مشروعه في جلال آباد.
وبعد حوالى إسبوع عاد أبو عبيدة، من هناك كى يفاجئنى ليس فقط بأن أبو عبد الله لم يقتنع ولم
يتراجع، بل أنه هو أيضًا أصبح متحمسًا بشدة لما يجرى هناك بعدما شاهد الفتوحات الكبيرة
والغنائم الكثيرة وبطولات الإخوة العرب. ثم أخرج الأوراق التى أعطيتها إياه وقال:(بعد الذى
شاهدته هناك كدت أخرج تلك الأوراق وأنثرها في الهواء).
أحزننى ما قال عن نثر الأوراق في الهواء، ولكننى كنت قد أعتدت من سنوات على أسوأ من
ذلك الإستقبال لكتاباتى عن أفغانستان، ولكن الغراب لايكف عن النعيق حتى يموت ولو أزعج
ذلك بلابل الدوح من عرب أفغان .. أو غيرهم.
ثم إقترح كلاهما أبو عبيده وأبو حفص أن أذهب إلى جلال آباد كى أقابل هناك أبو عبد الله
وأحاول إقناعه، فوافقت، لعل وعسى.
وذهبت إلى هناك بصحبة أبو حفص، وكنا في الأيام الأخيرة في شعبان"الثانى من أبريل 89 م".