لا أعرف على أي صورة سوف أصلها حيًا أو ميتًا؟ سليمًا أم مقسمًا إلى أجزاء صغيرة؟
تجاهلت الجهه اليسرى تمامًا وحاولت ألا أنظر اليها مطلقًا، ولكننى ضبطت نفسى أختلس النظر إليها عدة مرات، أغلقنا نوافذ السيارة لتفادي الغبار الكثيف.
من المفروض أن تكون السيارة حارة من الداخل ولكننى شعرت بالبرودة تسرى في بدنى،
وإكتشفت أن مولوى نظام الدين يتحدث معى، كان يقول: الحمد لله مررنا من أمام حصن
مالانج بدون أى مشكله. أردت أن أبتسم لولا أنه قال: نحن الآن أمام حصن جنداد هل تراه؟
هذا ذوالأبراج العالية. نظرت بسرعة من طرف عينى رأيت تلك الصورة المطبوعة في خيالى
ولا تمحى لحصن"جنداد"فقد كنا نقصفه بالصواريخ من الجبال المقابلة له منذ عامين مع
عبد الرحمن ومجموعة"والى جان".كنت أعلم من أيامها أن في ذلك الحصن ثلاث دبابات،
ياترى كم دبابه به الآن؟ أغلقت عيناى قلي ً لا حتى لا أشاهد القذيفة الموعودة وهى تمرمن أمام وجهى.
مرت دقائق طويلة جدًا، حتى إنحرفت بنا السيارة جهة اليمين لقد دخلت إلى مضيق بارى وإذا
الشيخ نظام الدين يلتفت نحوى ضاحكًا بإستبشار وفرح غامر:"دوشمن ختم دوشمن ختم".
أى أن العدو قد أنتهى وإسترسل قائ ً لا: هل تتصور أن نمر أمامهم هكذا في ضوء النهار
ولا يطلقون علينا رصاصة واحدة؟؟.
بالطبع لم أكن أتصور، بل كنت أكثر تصميمًا وبكل تأكيد ألا أكرر تلك الرحلة مرة أخرى،
وتحت أى ظروف.
# عند مدخل مضيق بارى مجموعة من التلال المنخفضة ذات أشجارقصيرة وقد تخندق فى
ثنيات التلال وتحت ظلال الأشجار مجموعة كبيرة من المقاتلين البنجاب، من"جماعة المجاهدين"،
وهى شطر"جماعة الجهاد العالمى"وكلاهما تحت قياد علماء شباب. وبينما عملت الأولى
غالبًا في مناطق نشاط جلال الدين حقانى، عملت الثانية في مناطق باكتيكا تحت توجيه مولوى
نصر الله منصور، و قياداته الميدانية مثل أرسلان رحمانى وغيره، وكلا الجماعتين تنتمى إلى
تيار العلماء الأحناف من المدرسة (الديوبندية) المتمسكة بالجهاد مع الإلتزام المذهبى.
وقد ساهمت الحركتان مساهمة فعالة في مسيرة الجهاد في أفغانستان وقدمتا مئات، إن لم نقل
آلاف، من الشهداء، وقد بدأت مشاركتهما النشطة في حدود عام 1984، وكان تأثيرهما
ملموسًا، حسب تجربتنا المباشرة، في محافظتى باكتيا وباكتيكا، ولكن الحركتان لم تقفا إلى
جانب المنظمات"الأخوانية"أو تلك"السياسية"التى لا تهتم كثيرًا بالعمل العسكرى.
وقد كان لهما دور غاية الأهمية في مساند' حركة طالبان عام 1995 التى تماثلهما من حيث
التكوين الفكرى والإجتماعى وأيضًا الولاء للعلماء الكبار في باكستان من أمثال مولوى فضل
الرحمن ومولوى عبد الرشيد أحمد.
وكان يعيب الحركتان ضعف العمل التنظيمى، وإختراق المخابرات الباكستانية لهما إلى درجة
خطيرة، وقد ساهم كلاهما في الجهاد في كشمير وقدموا عددًا كبيرًا من الشهداء هناك.
قبل قدومى مع الشيخ نظام الدين إلى بارى، تمت في الأشهر الماضية عمليات عديدة ضد
حصن جنداد الذى إستولى عليه المجاهدون مرتين وإستعادته القوات الحكومية، وشارك
"البنجاب"كما يطلق عليهم في الجبهة، شاركوا بنشاط وقدموا شهداء في العمليتين، وتميزوا
بشجاعة غير عادية. منذ أيام قبل حضورى ذهب أحدهم لمهاجمة الحصن منفردًا وتقدم نحو
مجموعة من الجنود الجالسين في ساحة مقابلة للموقع، وكانوا يحسبونه من جنود الميليشيا،