هَذَا وَيُقِرُّ عَلَيْهِ، كَمَا أَنْشَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا [1] فِي قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمَّا وَطِئَ سُرِّيَّتَهُ وَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَامَتْ إِلَيْهِ لِتُؤْذِيَهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا فَعَلَ، فَقَالَتْ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ"؟» فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فَظَنَّتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ فَسَكَتَتْ وَأُخْبِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَحْسَنَهُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَكَانِ مَا يَكُونُ مُحِيطًا بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ; فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمَكَانِ مُجَرَّدُ السَّطْحِ الْبَاطِنِ، أَوْ يُرَادَ بِهِ جَوْهَرٌ لَا يُحَسُّ بِحَالٍ، فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ ذَلِكَ بِلَفْظِ"الْمَكَانِ". وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ أَرِسْطُو بِلَفْظِ"الْمَكَانِ"عَرَضٌ ثَابِتٌ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِلَفْظِ"الْمَكَانِ"فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَلَا فِي كَلَامِ جَمَاهِيرِ الْأُمَمِ: عُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ. وَأَمَّا مَا أَرَادَهُ أَفْلَاطُنُ فَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النُّظَّارِ. وَقَوْلُ الرَّازِيِّ فِي التَّدَاخُلِ:"ذَلِكَ مُحَالٌ"هُوَ مَوْضِعُ مَنْعٍ، مَشْهُورٌ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ النُّظَّارِ: إِنَّ الْجَوْهَرَ فِي الْحَيِّزِ بِمَعْنَى التَّدَاخُلِ، سَوَاءٌ فُسِّرَ الْحَيِّزُ
(1) الْأَبْيَاتُ مَرْوِيَّةٌ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي"الِاسْتِيعَابِ"لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ. وَرُوِيَتْ أَيْضًا فِيهِ الْقِصَّةُ الَّتِي قِيلَتِ الْأَبْيَاتُ بِسَبَبِهَا.