وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْعَزْوِ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فَلَيْسَ [1] حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ. وَأَبُو نُعَيْمٍ لَهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ فِي"فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ" [2] ، وَقَدْ ذَكَرَ قِطْعَةً مِنَ الْفَضَائِلِ فِي أَوَّلِ"الْحِلْيَةِ"، فَإِنْ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ، فَقَدْ رَوَى فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا يُنْقِضُ بُنْيَانَهُمْ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا [لَا] [3] يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ فَلَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى نَقْلِهِ، وَنَحْنُ نَرْجِعُ فِيمَا رَوَاهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ - إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَالطُّرُقِ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَكَذِبُهُ، مِنَ النَّظَرِ فِي إِسْنَادِهِ وَرِجَالِهِ، وَهَلْ هُمْ ثِقَاتٌ سَمِعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَنَنْظُرُ إِلَى شَوَاهِدِ الْحَدِيثِ وَمَا يَدُلُّ [عَلَيْهِ] [4] عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ مَا يُرْوَى فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ أَوْ فَضَائِلِ غَيْرِهِ، فَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صِدْقٌ صَدَّقْنَاهُ، وَمَا كَانَ كَذِبًا كَذَّبْنَاهُ.
فَنَحْنُ نَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَنُصَدِّقُ بِهِ، لَا نَكْذِبُ، وَلَا نُكَذِّبُ صَادِقًا. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ [5] بِالْحَقِّ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ فِي كَذِبِهِ وَتَكْذِيبِهِ لِلْحَقِّ، كَأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ
(1) ن، م، س: فَلَيْسَتْ.
(2) سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ أَبِي نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَبْلَ صَفَحَاتٍ، وَذَكَرَ الزِّرِكْلِيُّ فِي"الْأَعْلَامِ"1/150 أَنَّ لَهُ كِتَابَ"مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ"كَبِيرٌ، بَقِيَتْ مِنْهُ أَجْزَاءٌ فِي مُجَلَّدٍ وَاحِدٍ مَخْطُوطٍ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي"مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ"عَنْهُ:"قَالَ الْخَطِيبُ: رَأَيْتُ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَشْيَاءَ يَتَسَاهَلُ فِيهَا، مِنْهَا أَنَّهُ يُطْلِقُ فِي الْإِجَازَةِ أَخْبَرَنَا وَلَا يُبَيِّنُ. قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبٌ رَآهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَنْدَهْ فِي أَبِي نُعَيْمٍ فَظِيعٌ لَا أُحِبُّ حِكَايَتَهُ، وَلَا أَقْبَلُ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ، بَلْ هُمَا عِنْدِي مَقْبُولَانِ، لَا أَعْلَمُ لَهُمَا ذَنْبًا أَكْثَرَ مِنْ رِوَايَتِهِمَا الْمَوْضُوعَاتِ سَاكِتَيْنِ عَنْهَا".
(3) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (س) .
(4) عَلَيْهِ: فِي (ب) فَقَطْ.
(5) س، ب: وَكَذَّبَ.