وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: 105] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» "رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ [1] .
وَهَكَذَا لَفْظُ"الْخِلَافَةِ"وَلِهَذَا يُقَالُ: الْوَارِثُ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ، أَيْ خَلَفَهُ فِيمَا تَرَكَهُ. وَالْخِلَافَةُ قَدْ تَكُونُ فِي الْمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْمُلْكِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْعِلْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَقَوْلُهُ: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 6] إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْإِرْثِ، لَا يَدُلُّ عَلَى إِرْثِ الْمَالِ. فَاسْتِدْلَالُ الْمُسْتَدِلِّ بِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى خُصُوصِ إِرْثِ الْمَالِ جَهْلٌ مِنْهُ بِوَجْهِ الدَّلَالَةِ، كَمَا لَوْ قِيلَ: هَذَا خَلِيفَةُ هَذَا، وَقَدْ خَلَفَهُ - كَانَ دَالًّا عَلَى خِلَافَةٍ مُطْلَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى
(1) بَعْدَ عِبَارَةِ"أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ"تُوجَدُ وَرَقَةٌ نَاقِصَةٌ مِنْ نُسْخَةِ (ر) . وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/432 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ) وَنَصُّهُ فِيهِ:"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/153 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابٌ فِي فَضْلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/81 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ) ؛ سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/98 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/196. وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي"صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ"5/302. وَلِابْنِ رَجَبٍ رِسَالَةٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ طُبِعَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.