وَأَمَّا الْجَمَاهِيرُ فَعَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ وَعَلَى الْعَائِدِ. وَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَادَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، بَعْدَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
كَمَا قَالَ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 22] .
وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 23] وَقَوْلُهُ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 38] .
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءً وَلَا انْتَقَمَ مِنْهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 95] فَمَنْ أَذَاقَهُ اللَّهُ وَبَالَ أَمْرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ قَدْ عَفَا عَنْهُ؟ .
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {عَمَّا سَلَفَ} لَفْظٌ عَامٌّ، وَاللَّفْظُ الْعَامُّ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرَائِنِ التَّخْصِيصِ، لَا يُرَادُ بِهِ [1] مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَنْ عَادَ) يُرَادُ بِهِ الْعَوْدُ إِلَى الْقَتْلِ، فَإِنَّ انْتِقَامَ اللَّهِ مِنْهُ إِذَا عَادَ لَا يُسْقِطُ الْجَزَاءَ عَنْهُ، فَإِنَّ تَغْلِيظَ الذَّنْبِ لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ [2] كَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بَعْدَ نَفْسٍ [3] لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ قَوَدًا [4] وَلَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.
(1) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(2) عِنْدَ عِبَارَةِ"لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ"تَعُودُ نُسْخَةُ (ر) بَعْدَ الصَّفْحَةِ الْمَفْقُودَةِ.
(3) و: بِغَيْرِ حَقٍّ.
(4) أ، ب: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَوَدٌ. .