يَصُدُّهُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وَمَا لَمْ يَقَعْ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ. وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ: لَيَسْرِقَنَّ هَذَا الْمَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمْ يَسْرِقْهُ لَمْ يَحْنَثْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ سَرِقَتَهُ.
وَلَكِنَّ الْقَدَرِيَّةَ عِنْدَهُمُ الْإِرَادَةُ [1] لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ السَّرِقَةَ إِذَا كَانَتْ مُرَادَةً كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِمْ، أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالسَّرِقَةِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا مُرَادٌ، يَقُولُ: إِنَّهُ مُرَادٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، فَلَا يَقُولُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إِلَّا كَافِرٌ. لَكِنَّ هَذَا قَدْ [2] يُقَالُ لِلْمُبَاحِيَّةِ الْمُحْتَجِّينَ [3] بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى أَنْ يُعَارِضَ الْإِنْسَانَ فِيمَا يَظُنُّهُ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ [4] مِنَ الْمَعَاصِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يُعَاوِنَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوَنَةً، لِمَا ظَنَّ أَنَّهُ مُرَادٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ [5] - وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا وَمَعْصِيَةً - فَهُمْ لَمْ يَصُدُّوا عَنْ مُرَادِ اللَّهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّدَّ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ لَيْسَ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ [6] أَنَّ تَنَاهِيَ النَّاسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَالْقَبَائِحِ، وَالظُّلْمِ، وَدَفْعِ الظَّالِمِ [7] ، وَأَخْذِ حَقِّ الْمَظْلُومِ مِنْهُ، وَرَدِّ احْتِجَاجِ
(1) أ، ب: الْإِرَادَةُ عِنْدَهُمْ.
(2) قَدْ: زِيَادَةٌ فِي (ع) .
(3) أ، ب: لِلْمُبَاحَثَةِ لِلْمُحْتَجِّينَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَالْمَقْصُودُ بِهِمْ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي وَيُبِيحُونَ الْمُحَرَّمَاتِ.
(4) ع: مَقْدُورًا عَلَيْهِ.
(5) أ: أَنَّهُ مُرِيدٌ وَهَذَا الْفِعْلُ، ب: أَنَّهُ مُرِيدٌ هَذَا الْفِعْلَ.
(6) ع: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
(7) ع: النَّاسَ عَنِ الْقَبَائِحِ وَالْمَظَالِمِ وَدَفْعِ الْمَظَالِمَ.