قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ، لَمْ يُثْبِتُوا إِلَّا النَّوْعَ الثَّانِيَ.
وَهَؤُلَاءِ [1] الْقَدَرِيَّةُ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُقُهَا عِنْدَهُمْ وَأُولَئِكَ الْمُقَابِلُونَ لَهُمْ [2] يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمُ الْإِرَادَةُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِمَعْنَى إِرَادَةِ أَنْ يَخْلُقَ، فَمَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُرِيدٌ لَهُ، فَعِنْدَهُمْ هُوَ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا خَلَقَ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا، وَلَمْ يُرِدْ مَا لَمْ يَخْلُقْهُ [3] وَإِنْ كَانَ إِيمَانًا.
وَهَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِّ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ إِثْبَاتُ النَّوْعَيْنِ، كَمَا أَثْبَتَ ذَلِكَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ ; وَلِهَذَا قَالَ جَعْفَرٌ:"أَرَادَ بِهِمْ وَأَرَادَ مِنْهُمْ"، فَالْوَاحِدُ مِنَ النَّاسِ يَأْمُرُ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ مُرِيدًا لِنُصْحِهِ، وَبَيَانًا لِمَا يَنْفَعُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَكُونُ مَصْلَحَتِي فِي أَنْ آمُرَ بِهِ غَيْرِي وَأَنْصَحَهُ يَكُونُ مَصْلَحَتِي [4] فِي أَنْ أُعَاوِنَهُ [أَنَا] [5] عَلَيْهِ، بَلْ تَكُونُ [6] مَصْلَحَتِي إِرَادَةَ مَا يُضَادُّهُ.
كَالرَّجُلِ الَّذِي يَسْتَشِيرُهُ [7] غَيْرُهُ فِي خِطْبَةِ امْرَأَةٍ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْمَأْمُورِ، وَالْآمِرُ يَرَى [8] أَنَّ مَصْلَحَتَهُ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا هُوَ دُونَهُ، فَجِهَةُ أَمْرِهِ لِغَيْرِهِ نُصْحًا - غَيْرُ جِهَةِ فِعْلِهِ لِنَفْسِهِ.
(1) أ، ب، ع: فَهَؤُلَاءِ.
(2) أ، ب، ن: الْقَائِلُونَ لَهُمْ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
(3) أ، ب: مَا لَمْ يَخْلُقْ.
(4) ن: وَتَكُونُ مَصْلَحَتِي، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5) أَنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(6) ب فَقَطْ: بَلْ قَدْ تَكُونُ.
(7) يَسْتَشِيرُهُ: كَذَا فِي (ع) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَسْتَشِيرُ.
(8) أ: وَإِلَّا يَرَى، ب: وَإِلَّا فَهُوَ يَرَى.