تَامَّ الْقُدْرَةِ مُرِيدًا تَامَّ الْإِرَادَةِ، فَلَا يَكْفِي فِي الْإِحْدَاثِ مُجَرَّدُ وُجُودِ شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ [1] عَلَى الْإِحْدَاثِ، فَكَيْفَ يَكْفِي مُجَرَّدُ عَدَمِ شَيْءٍ يَتَقَدَّمُ عَدَمُهُ عَلَى الْإِحْدَاثِ؟ بَلْ لَا بُدَّ حِينَ الْإِحْدَاثِ مِنَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ، ثُمَّ كَذَلِكَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُؤَثِّرٍ تَامٍّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا، لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَتَّصِفُ بِمَا بِهِ يَفْعَلُ الْحَوَادِثَ الْمَخْلُوقَةَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ الْحَاصِلَةِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، [2] كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ [3] ، وَتَقْسِيمُهَا إِلَى نَوْعَيْنِ، يُزِيلُ الِاشْتِبَاهَ وَالِاضْطِرَابَ الْحَاصِلَ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، فَإِنَّ [4] مَنْ قَالَ: الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، يَقُولُ: كُلُّ كَافِرٍ وَفَاسِقٍ قَدْ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُ [5] . وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ قَوْلَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتِهِمْ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ، وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، كَفَرَ أَوْ لَمْ يَكْفُرْ، وَأَوْجَبَ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْقَادِرِينَ دُونَ الْعَاجِزِينَ، فَعَلُوا أَوْ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَمَا لَا يُطَاقُ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ: يُفَسَّرُ بِمَا لَا يُطَاقُ [6] لِلْعَجْزِ عَنْهُ ; فَهَذَا لَمْ يُكَلِّفْهُ
(1) ب، أ: مُقَدَّمٍ.
(2) م (فَقَطْ) : مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
(3) ع: الْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ.
(4) ب، أ: وَأَنَّ.
(5) ع، ن، م: مَا لَا يُطَاقُ.
(6) ب، أ: يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ مَا لَا يُطَاقُ.