فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 809

لأن العقل صيد، يصيده، اخذه ما امكن من المعنى، ولكنه يتفلت من العقل إلى القلب وبعد ذلك كيف يبين عنه في اللسان؟ عجز اللسان، هكذا يقول علماء اللغة، علماء البيان، أسياد الكلمة، يقولون هذا فعليك أن تفهمها، عليك أن تقرأ كتب أهل العلم على هذا المعنى: أن هناك من الهوامش ما يضرب عليه العالم ضربًا رقيقًا ويعود، لأنه لا يستطيع أن يخوض فيه، وبعضهم يعترف، تقرؤون لابن القيم مثلًا في مثل التوبة - ذكرتها مرة لكم - يقول: عندي شيء لا أستطيع أن أبيّن عنه، لا أقدر، لا أستطيع، يعجز اللسان عن الإبانة عنه، ولو بثَثْتُه بكلامي ربما فُهِم على معنى آخر من الضلال، يهرب، يقول لا أريد أن أورط نفسى فيه. طيب، أكمل.

"إيرادًا يميز المشهور من الشاذ، ويحقق مراتب العوام والخواص والجماهير والأفذاذ، ويوفي حق المقلد والمجتهد والسالك والمربي والتلميذ والأستاذ"

هذا - انتبهوا - هذا هو من تربية القرآن لعلمائنا، هذا هو. إذا دخل المرء على مائدة القرآن لا يمكن أن يخرج منها بغير فائدة، كان عالما نحريرا عاقلا مدركا، أو كان عييًا جاهلًا، لا يمكن أن يخرج بغير فائدة، فالذي يدخل على الطعام - ومائدة الرحمن وهي القرآن - فيدخل عليه، فكل يصيب منه مقدار فهمه، حتى الذي يدخل - انتبهوا - على القرآن لا يريد معرفةً سوى أن يردد على لسانه كلام الرب جل في علاه يخرج منه بفائدة، كما يدخل الأعجمي عليه، فيقرؤه، فيقرأ القرآن فيعطيه القرآن هذه اللذة العظيمة التي يحسها في قلبه.

هذا هو فنٌ أدركه علماؤنا فتكلموا كلامًا: إذا دخل عليه العالم رأى فيه جمالًا خاصًا وأنوارًا لا يدركها إلا هو، يرى هذا، والجاهل يدخل عليه فيقرأ كلامًا عامًا يردده، ونحن بلا شك من المرتبة الثانية، هذا بلا شك فيه، والناس في هذا الزمان، هذه مرتبتهم، مهما علت هذه مرتبهم، فقط يأخذون الظواهر والكلمات البينة، لا يغوصون في المعنى الأول. فالقصد من هذا أن العالِم الحق هو الذي إذا جلس إليه الجاهل أخذ منه الفائدة، لا يخرج بغير فائدة، وإذا دخل عليه العالِم يخرج منه بفائدة، وكلا يخرج وقد أخذ منه شيئا من حاجته. واضح؟ وهذا الذي قاله.

وعلماؤنا - يعني العلماء السابقين - ألفوا في هذا لمراتب الناس: في الفقه ترى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ، وهذا الكتاب يضع أن هذا مرتبته فقط بداية المجتهد، وذاك أقامه غير ما قام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت