هذه قالها الشافعي من قبل، وهذا ضد ما يعرفه الناس من كلام العرب، وأنا ذكرت هذا في تعليقي على الحمد، ولكن الآن أبيّنه تبيينا مهما، أنا أريد فقط، لماذا أقف كثيرا؟ لن أقف كثيرا فيما سيأتي وسيكون البحث عن مواضيع العلوم. هنا الكلام في المقدمة عن طرائق العلماء وعن قراءة كتبهم وعن طريقة تصنيفهم، لأن هذه المقدمة هي كاشفة للأحوال، كاشفة لأحوال الإنسان، كاشفة لأحوال المجتمع، كاشفة لأحوال العلوم كما ترون. الشافعي له كلمةٌ عظيمة ترددت هنا على لسان الشيخ أبي إسحاق - رحمه الله - أنه قال إن هناك من المعاني في القلب ما لا يستطيعه اللسان الإبانة عنها. يعني، هذا الشافعي الذي قال أهل اللغة أنه حجة في الكلام، ولهذا قالوا أن الشافعي يحتج به، فلما عاب بعض أهل العلم عليه بعض كلمات كقوله:"ماء الملح"مثلًا، قالوا هذه ليست في العربية، ردوا عليهم قالوا اسكتوا، لأنه قالها فهي حجة، فالشافعي يحتج به. ويكفي كلمة الأصمعي أنه أخذ شعر الهذليين عن فتى من قريش في مكة اسمه محمد ابن إدريس الشافعي. فالشافعي، هذا الرجل العظيم الذي قال عنه إمام الأدب الجاحظ، قال عنه قرأت في كلام هؤلاء النبغة فلم أر أحدا يقول مثل قول هذا الرجل، أو في معنى الكلام، كأنه يقول: كأنه ينثر الدر.
انظر الناس لا يتمتعون فقط في العلوم، يتمتعون في صياغة العلوم، كيف صيغت، وكلما أبدع الرجل في صياغتها كان عالما. طيب. الشافعي يقول أن هناك من العلوم في قلبه ما يعجز اللسان عن الإبانة عنها، هذه المعاني هي التي تُرَقِّي الإنسان وتجعله ينظر إلى الحياة أولًا نظرة حقيقة لأنه يتلذذ بما في صدره، ثانيًا، أنا لا أريد أن أقول، أن أصل إلى ما وصل إليه الصوفية نعوذ بالله بأن المعاني على خلاف الشرع وهذا ذلك، هذا غير صحيح. هذه المعاني هي معاني إيمانية عظيمة، ومعاني معرفية عظيمة، وبالتالي هذا ما يصيب العلماء من الحزن أن الناس لا يفهمون. وهو يتألم، يأتي إلى الناس يتكلمون وهو يتألم، فهمتم الكلام؟ يتألم لأنه يعرف هذه المعاني في قلبه، ولما يريد أن يشرح يجدون كلامه ليس عليه الدليل لأنهم لم يفهموه، وهو قد عجز عن الإبانة.
تتصوّروا المشكلة أين هنا؟ مضاعفة: هم هذه الكلمات لا تصل إليهم وهو يعجز عن الإبانة، يحاول أن يقرب إليهم المعنى، هذا هو؛ هذه تصنع الغربة. والغربة - خذوا هذه الكلمة - قَدَر العلماء الربانيين. هذه الكلمة يجب أن تفهموها في سير علمائنا، الغربة ليست الغربة التي يقع فيها