فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 809

تأملوا العبادة عند الأوائل، ليس مجرد كثرة عبادة، ليس فقط أن يقرأ الواحد القرآن كثيرًا أو يقوم الليل كثيرًا، كل هذا من أجلِّ العبادات وأعظمها، وليس تقليلًا لشأن العبادة، لكن كيف هؤلاء كانوا يعيشون المعاني، أنا أريد هذه النقطة فقط. ليتنا نقترب لالتقاط رأس الخيط فيها، أن الجماعة يعيشون في التفكر، هذه العبادة المهجورة!

كانت أشرف عبادة لأبي الدرداء التفكر، تقول زوجته أم الدرداء: كانت أجلُّ عبادة عند أبي الدرداء، يعيشون الفكرة، يعيش مع الأشياء أنه مع الله، يعيش فيها على المعاني.

وانظر إلى هؤلاء الذين يعيشون هذه المعاني وجماليتها وعظمتها وارتباطها بالآخرة والجنة والنار والحلال والحرام واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، كل هذه ماثلة أمامهم؛ ماثل أمامهم إرضاء الله، أنه ينظر إليهم، وأنه يريد أن يحبه الله، يعملون العبادة لا من جهة أنها تحقق لهم الحسنة، لكن لأن الله إذا رآهم فرح، يفعلونها لأنها تُفرح الله، تصور أنك تقول أذهب بهدية الآن كم يسعدني أن أرى وجه أبي بسومًا بهذه الهدية، هذا المعنى حاضر في قلوبهم عند العبادة، يقول أحدهم: أفعل هذه العبادة الله يفرح لي، ينظر إلى هذا، ومع ذلك ينظر إلى الجنة والنار، ومع ذلك ينظر إلى اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه يتبع النبي شاخصًا أمامه، أنه فعلها كما فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، يفعلها من أجل الدرجات في كتابة الحسنات أن الملك يكتبها، لا إله إلا الله!

مداخلة: وهذا شأنهم في المباحات فما بالك في الفرائض!

انظر هذه المعاني، الحق يُقال: هذه لا تكون إلا من قِبل العطاء الإلهي والهبة الإلهية، الدنيا كأنهم ملكوها لتلك المعاني، عاشوا في الآخرة، ولذلك الله -عزَّ وجلَّ- زرع لهم الأرض نصرًا، زرعها لهم بركة، زرع لهم التاريخ، والتاريخ لا يتحدث إلا بأسمائهم، الحور العين تتغنى بأسمائهم، الأرض حين يموتون تبكي عليهم، ويموت سعد بن معاذ فيهتز له عرش الرحمن، لا إله إلا الله يا قوم!

العبادة من غير معانٍ ما لها قيمة، ليس نفيًا لها، لكن من غير المعاني تفقد الكثير من أجرها وفضلها وعظمتها.

"لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَطْلُوبًا؛ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّهُ -إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ- مُبَاحٌ كَأَكْلِ بَعْضِ الْفَوَاكِهِ، فَيَدَعُ التَّنَاوُلَ إِلَى زَمَانِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِذَاءِ":

ولذلك قالوا:"لا نأكل حتى نجوع -أما نحن نأكل لئلا نجوع- وإذا أكلنا لا نشبع"، أي يأكلون أكلًا لا يوصل إلى الشبع، ونحن نأكل ولا نشبع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت