-وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ فِي تَنَاوُلِهِ":"
هذه يُهتم لها: أن أصحاب المعالي من الأخلاق لا يفعلون شيئًا إلا بنية، فيتركون الفعل عند عدم حضور النية، هذا كلام مقامات، ولذلك الأصول ليس فيها هذا، والفقه ليس فيه هذا، هذا كلام مقامات، وهو من الدين، ولذلك هو يتغلغل في هذه المسألة، عندما يأتي إلى العفو والتفريق بينه وبين المباح، يُحضر لنا حكمًا عجيبًا موجودًا في النصوص وغير موجود في الفقه وهو"العفو"، وهو هنا يُقنِّن أحوال الناس فقهًا، وهذا ليس الفقه بالتصوف كطريقة الغزالي.
"- وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ فِي تَنَاوُلِهِ؛ إِمَّا لِلْعَوْنِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ كُلُّهُ خَالِصًا لِلَّهِ، لَا يَلْوِي فِيهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَالِبَةٌ لَهُ":
فلا يفعله لأن النفس طالبة له، ولكن لأن النية حاضرة على معنى الطاعة.
"فَإِنَّ مِنْ خَاصَّةِ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ مُبَاحًا، بَلْ يَتْرُكُهُ حَتَّى يَجِدَ لِتَنَاوُلِهِ قصد عبادة أو عونًا على عِبَادَةٍ":
ما تركه لأنه مباح، تركه لأنه ليس فيه قصد العبادة، هو يريد أن يحوّل المباح إلى عبادة.
"أَوْ يَكُونُ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْإِذْنِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ":
هذه يُوقف عندها، وهي واضحة ولكن للتأمل فيها، قال: أو يكون أخذه له -أي للمباح- من جهة الإذن لا من جهة أنه حظ نفسه؛ يعني عندما يشرب الماء هو لا يأخذه لأنه عطشان، يأخذه من جهة نظر الإله له أنه أباحه له، والباقي عندكم!
"لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي":
أنه أخذه لأن الله أمره به، هذا نوع من الشكر، بخلاف الثاني ليس فيه هذا المعنى، وإنما يأخذه من جهة الإباحة المطلقة العامة.
"وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَطْلُوبًا":
ما معنى هذا؟ أي حين يكون مطلوبًا حينئذ يصبح أعلى من درجات المباح أي الاستحباب.