"وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ أَكْثَرُهَا جَدَلِيٌّ":
هذه الأجوبة أكثرها جدلي، بمعنى مشيٌ مع الخصم في طريقه وسبيله، لكن المسألة ليست كذلك في أصلها.
"وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَنَاوُلَ الْمُبَاحِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُحَاسَبًا عَلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا يُحَاسَبُ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي الشُّكْرِ عَلَيْهِ، إِمَّا فِي جِهَةِ تَنَاوُلِهِ وَاكْتِسَابِهِ، وإما من جِهَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى التَّكْلِيفَاتِ":
هو أشار إليها من قبل، وهذا كله مشي معه، وأما في الحقيقة فالمباح لا يُحاسب عليه المرء، كونه أخذه لا يُحاسب عليه، إنما الحساب على شكره؛ لأن المباح كذلك حين يفعله المرء هو مُطالب بأمور: كيف أخذه، إلى غير ذلك، فهي أمور زائدة.
"فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ وَعَمِلَ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ شَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الْأَعْرَافِ: 32] ":
من القواعد في التفسير أن يُفسَّر اللفظ بمزاج القرآن، لماذا أقول هذه الكلمة؟ لأن كلمة (زينة) في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وقع الخلاف فيها، فما الذي يحسمها؟ يحسمها أن تعرف كلمة (زينة) في القرآن على أي المعاني جرت. فإذا وُجد تعدد المعاني لها؛ جاز أن يختلف فيها الناس، حينئذ عليك أن تبحث عن مرجِّح آخر. وقد قال بعضهم: هي الثياب الظاهرة، وقال بعضهم: الوجه والكفان. إذًا هل الزينة في القرآن شيء زائد عن البدن، أم أنه يمكن أن تكون الزينة هي البدن نفسه؟ والحق من قرأ القرآن وبحث عن كلمة"زينة"وجدها هي أمور زائدة عن البدن، ولذلك لا يُحتجّ بهذه الآية. فالذين قالوا بأن الزينة التي أجاز الشارع إظهارها هي الوجه والكفان عليهم أن يبحثوا عن دليل آخر؛ فإنها لم ترد في القرآن إلا على الشيء الزائد عن البدن، ومن ذلك هذه الآية: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} هي شيء زائد، وقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} هي ليست البدن، هي أمر زائد عن البدن. ولذلك في الحقيقة لا يجوز لمحتج أن يقول في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أنها هو الوجه والكفان، لأن الزينة في القرآن لا تُطلق إلا على الشيء الزائد عن البدن.
ليس معنى هذا تقرير مسألة فقهية، نحن نتكلم عن الاحتجاج، وكان هذا من الأمثلة على ما قلنا من أن تُفسر الألفاظ بحسب استخدام القرآن لها (مزاج القرآن) .
"إِلَى قَوْلِهِ: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الْأَعْرَافِ: 32] أَيْ: لَا تَبِعَةَ فِيهَا".