وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْقَصْدِ إِلَى التَّنَاوُلِ وَالِانْتِفَاعِ، ثُمَّ الشُّكْرِ عَلَيْهَا. وَإِذَا كَانَ هَكَذَا؛ فَالتَّرْكُ لَهُ قَصْدًا يُسْأَلُ عَنْهُ: لِم تَرَكْتَهُ؟ وَلِأَيِّ وَجْهٍ أَعْرَضْتَ عَنْهُ؟ وَمَا مَنَعَكَ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أُحِلَّ لَكَ؟ فَالسُّؤَالُ حَاصِلٌ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَقْرِيرٌ فِي الْمُبَاحِ الْخَادِمِ لِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ":"
انتبه، قال:"تَقْرِيرٌ فِي الْمُبَاحِ الْخَادِمِ لِغَيْرِهِ"، وهذه كذلك من إبداعات هذا الرجل العظيم، الآن انظروا إلى ما سيقول لنا بعد هذه الرحلة الطويلة، انتبهوا لكلمته.
"وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ أَكْثَرُهَا جَدَلِيٌّ":
يعني لأجل أن يُسكت الخصم، وهذا فن من فنون الجدل، وفن من فنون الحديث. قال: هذه فقط لأجل أن نُسكت الخصم بها، والمسألة في حقيقتها غير ذلك.
وقد يضطر المرء إلى أمور هي في الحقيقة خارج أصل المسألة، ولكن تمشي مع المحاور، لأنه لا يُدرك ما تريد، ولو أرجعته للأصل؛ بقي متعلقًا بالفرع ظانًّا أنه قد ألزمك لأنك ما أجبته، فأنت تقول له: أنا مستعد وأمشي معك حتى على الطريق الذي تريده، ويكون ما تقوله باطلًا. ولذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة عظيمة جدًا، نفهمها من وجهين:"لازم الحق حق". نحن الآن نتكلم لازم الكلام، العلماء يقولون:"لا يلزم الرجل بلوازمه إلا إذا التزم بها"، أليست هذه قاعدتهم؟ فأنت تُبطل الباطل بلوازمه، تقول له:"لو قلت أنت كذا فلازم كلامك كذا"، هو يقول:"لا ألتزمه"، تقول له:"لا، الكلام يدل بذاته على هذا اللزوم، حينئذ يكون كلامك باطلًا لأن لازمه باطل، ولا يمكن أن يطرأ هذا على الحق"؛ الحق لا بد أن تكون لوازمه حق.
فلو أتى أحد وألزم الحق بباطل؛ فالأصل أن تطلب منه إثبات أم هذا اللازم باطل بالدليل أولًا، وهل يكفي أن تُثبت له أن الحق له دليله؟ الجواب: لا يكفي، بل لا بد حين يطرأ اللزوم الباطل على الحق في ذهن الخصم أن تلزمه بأن اللوازم لهذا الحق لا يمكن أن تنتج إلا حقًا، فإذا ألزم لزومًا باطلًا دلّ على أنه إما ألزم الحق بشيء ليس من لوازمه، أو أنه لم يفهم الحق في أصله، فهذه قاعدة: لازم الحق لا يكون إلا حقًا.
النقطة الثانية: ما من مبطل للحق إلا وفي كلامه هو ما يبطله. فبعد أن قلنا أن لوازم الحق حق، الآن نتكلم عن الحق نفسه، يقول شيخ الإسلام:"ما من آية يحتج بها مُبطل إلا وفي الآية ما يُبطل دعواه"، فكل من أتى بآية أو حديث يستدل به على باطل؛ فأجمل ما يُقال أنه لم يفهم الكلام وأن الحديث نفسه واللفظ نفسه يرد عليه.