فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 809

-وَقِسْمٌ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى شَيْءٍ؛ فَهُوَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَإِذَا فُرِضَ ذَرِيعَةً إِلَى غَيْرِهِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ":"

إذًا هو يريد أن يقول بأن المباح عرضة لبقية الأحكام، فليس لأحد أن يزعم بأن المباح في أصله يميل إلى أحد الأطراف: لا المنع ولا الفعل، لا الأمر ولا النهي؛ بل إن المباح في نفسه عُرضة لهذه الأحكام، فيمكن أن ينتقل إلى الكراهة، ويمكن أن ينتقل إلى الاستحباب.

وأريد أن أقف هنا على أمر: وهو اعتراض بعض فقراء الصحابة على عدم قدرتهم على الوصول إلى ما يصل إليه الأغنياء، وانظروا إلى خاتمة الكلام: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ، وهي خاضعة للعدل الإلهي والحكمة الإلهية. كيف هي؟ ما هي موجباتها في عالم الغيب والأزل؟ لا نعرفها. يسعى الفقراء أن يبلغوا ما يبلغه الأغنياء، فيعلّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا يقولون عقب الصلوات، فيسمع الأغنياء بهذا، فهذا يدل على التنافس، وهذا فيه بيان فضل الصحابة فقراء وأغنياء، وفيها كذلك تمني الفقراء أن يكون عندهم المال، لا من أجل المتعة ولكن من أجل النفقة في سبيل الله، ولكنهم لما قالوا: (يا رسول الله سمع أهل الدثور بما أعلمتنا به فأتوها) ؛ قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .

ولذلك من الأمور التي يبحثها علماؤنا، وابن القيم بحثها في (طريق الهجرتين) :

ما هو الأفضل؛ هل هو الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ الجواب: لا يوجد إطلاق. هذه مما تعلمها ابن القيم من شيخ الإسلام: أن التفضيل المطلق لا يقع، هذا فيه فضل من جانب، وهذا فيه فضل من جانب آخر. لا يوجد تفضيل مطلق بين شيئين بينهما توازٍ، الفقير له فضل من جانب، والغني له من جانب آخر. ولذلك صبر الفقراء على فقرهم له فضيلة يوم القيامة: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام) ، نصف يوم، هذا فضل ينبغي الانتباه له.

القصد من ذلك أن العطاء الإلهي محكوم بالعدل، هذه نعمة الله ومنته، ولكن ينبغي أن نفهم أن الله لا يعطي شيئًا بلا سبب، له أسبابه:

-فإما الأسباب تكون في أصل الخِلقة، كأن يكون الإنسان قويًا في أصله خلقته، غنيًا في أصل خلقته وُلد غنيًا، فهذا فضل إلهي.

-وإما أن يكون طارئًا عليه من فعله، وكل له درجته، فهذا ينبغي أن ننتبه له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت