وهذه المسألة هي التي أفتي بها في بلاد الجهاد، تجد بيوت مهاجرين كثيرة يهاجرون ويتركونها، ويضطر المهاجرون والمجاهدون لسكناها وغيره، لا على جهة التملك ولكن على جهة أخذ الذي ذكرته -والله تعالى أعلم-.
سؤال: سؤال خارج الموضوع، في حديث: (ليكوننّ من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) ، فكيف من أمتي وهم يستحلون الزنا والخمر؟
الشيخ: يسأل أخوكم يقول: (ليكوننّ من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) والحديث في البخاري، فيقول: كيف هم من أمتي ويقول يستحلون؟ والله حقيقة لا أكتمكم أني لما أسمع هذه الأسئلة يكاد المرء يتقزز ويستقيء؛ لأن الذين يتكلمون بها ليسوا العوام، ناس ينتسبون للعلم ثم تُنقض قواعد الشريعة المُجمع عليها بمثل هذه السخافات في الاستدلال والتلعُّب والهوى والجهل، شيء عجيب!
الجواب من جهتين، وهذا سهل جدًا، ومن أسهل ما يعرفه طالب العلم؛ الاستحلال يقع على معنيين: على المعنى القلبي وعلى المعنى الفعلي، وهذا أقل ما يقال فيها. واستحلال الحرام مجمع على أنه كفر مخرج من الملة، لا خلاف فيها هذا، حتى كبار المرجئة والضالين يقولون بهذا، أن استحلال شرب الخمر كفر وردة، ولكن ما معنى الاستحلال في هذا الحديث؟ الاستحلال إما أن يكون قلبيًا وإما أن يكون يستحلونها بمعني يفعلونها، ويجوز إطلاق اللفظ على بعض معانيه، هذا واحد.
النقطة الثانية قوله: (من أمتي) ، هذه عند أهل العلم كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} ، إذا مؤمنات لماذا"فامتحنوهن"؟! إنما هي تسمية للأصل، أو تسمية للعاقبة، وهذا من لغة العرب، إما تسمية الشيء بأصله أو تسمية الشيخ بعاقبته، فقوله: {إذا جاءكم} من التسمية بالعاقبة، فالمرأة الأصل أنها مهاجرة للدين، لكن تُمتحن حتى يتم الختم، فه"مؤمنات"باعتبار العاقبة. وإما أن يُسمى الشيء باعتبار أصله، فقوله: (صنفان من أمتي لم أرهما قط) فهذا من أمته؛ أي أنهم داخلون في الأصل من أمته، فإذا استحلوها خرجوا من الأمة.
ولذلك لما جاء العلماء إلى حديث: (وتفترق أمتي) ؛ لم يختلف العلماء في دلالة هذا اللفظ على جواز إطلاقه على أناس كفروا أو دخلوا في داخل الأمة، ولكن القصد أن هذه الأمة في أصلها هكذا كانت واحدة ثم افترقت فخرجت، فيُقال: (سيأتي زمان على أمتي) يعني ممن انتسب لأمتي، فقد يكون انتسابًا صحيحًا وقد يكون انتسابًا خطأ، هذا أقل ما يُقال فيه.
والأول أولى.