لم يقل:"الاقتضاء". هل المباح تكليف؟ بعض المتكلمين أنكروا هذا، وهذا خطأ، -هو يشرحها، ولكني أمر عليها مرورًا سريعًا-، لماذا المباح تكليف؟ لأن هذا الاختيار راجع إلى الوضع الإلهي، هذا الاختيار الذي أنت وقفت عليه بأنه يجوز لك أن تفعل ويجوز لك ألا تفعل، من الذي أعطاك حق هذا الاختيار؟ الوضع الإلهي، أي الحكم الإلهي. هناك فرق بين أن تأتي إلى كأس الماء وأنت تختار الشرب أو لا تشرب من نفسك، هناك فرق بين هذه الحالة وبين حالة أنك وضعت هذا الموضع بوضع الله لك.
الآن لو جاء إنسان لا يتقيَّد بالحكم الشرعي فما الذي يُنشئ لديه الاختيار بالفعل أو الترك؟ نفسه، لا يوجد عنده أمر صادر من غيره بأن يقف هذا الموقف بالفعل أو الترك، واحد ملحد لا يؤمن بالكتاب ولا بالسنة فهو يشرب الماء أو لا يشرب الماء من نفسه، لكن مرجعية المسلم في هذا الموقف هي الشارع، إذًا هو طبَّق حكم الشارع، نشأ لديه الاختيار بحكم الشارع ووضع الإله ربه، ليس من جهة نفسه، ولذلك هو حكم شرعي. فصارت الإباحة حكمًا شرعيًا؛ لأن الإنسان وقف هذا الموقف بوضع الشارع له.
وهو يشرح هذا الكلام كثيرًا ويقف عند مسألة قديمًا كان يدور حولها البحث وهي حقيقة ليست مهمة، وهي: هل الإباحة أمر بالفعل أو أمر بالترك؟ ويطيل فيها لأنه قد وقع فيها بعض المتكلمون.
فقال:"والأحكام الشرعية قسمان، أحدهما يرجع إلى خطاب التكليف":
هل الإباحة خطاب تكليف؟ نعم، لأنه"خطاب الله تعالى للمكلَّفين"فهو خطاب الله -عز وجل- لك أن هذا مباح لك، واجب أو حرام إلى آخره.
ثم يقول:"والآخر يرجع إلى خطاب الوضع":
وخطاب الوضع هو ما أوجده الشارع وهو الله -عز وجل- الخالق، ورتَّب عليه الأحكام التكليفية.
طبعًا هناك من يبحث في الأصول فيقول: غير السبب والشرط والمانع -هذه متفق عليها أنها من خطاب الوضع-، هناك من يُدخل فيها: الصحة والفساد والبطلان إلى آخره، فيجعلها من خطاب الوضع، وهناك من يجعلها من خطاب التكليف. والشيخ لا يتطرق لها هنا، وبعضهم لم يذكرها في كتابه مثلًا كتاب الشوكاني (إرشاد الفحول) وهذا من نقصه، لم يمر على الصحة والبطلان والفساد وهي مهمة.