الدرس [34]
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين، وجعلنا الله -عز وجل-وإياكم منهم آمين.
هذا هو الدرس الرابع والثلاثون من دروس شرح (الموافقات) للإمام الأصولي أبي إسحاق الشاطبي -رحمه الله-، ونحن مع المقدمة الأخيرة من مقدمات كتابه، والمقدمة تقول:
"كل أصل علمي يُتخذ إماما في العمل؛ فلا يخلو إما أن يجري به العمل على مجاري العادات في مثله، بحيث لا ينخرم منه ركن ولا شرط، أو لا، فإن جرى؛ فذلك الأصل صحيح، وإلا؛ فلا".
إذًا هو يريد أن يقول أن الأصل العلمي المعتبر هو ما كان إمكانية إجراء المكلف به على وجه سُنَنِيّ -كما تقدم من الكلام-، والآن يمثل الشيخ بأمثلة انتقضت عند بعض المتكلمين في الأحكام الشرعية بهذه القاعدة.
وهذا أمر ينبغي أن ننتبه له في قضية كلام الشاطبي في تجربته الذاتية، وهذا يعطي إحساسًا كثيرًا بإنسانية الكاتب. فإذا بقي الكاتب أو المؤلف أو المصنف يتكلم تجريدًا؛ قد يصعب على الناظر في كتابه أن يدرك شخصيته، لكنه إذا تكلم الكاتب عن تجربته، عن معاناته، عن رؤيته، عن أحكامه؛ فأنت تستطيع أن تقترب منه.
وهنا الشيخ مثل بقضيتين انخرمتا مع هذه القاعدة:
المثال الأول: وهو مثال الصوفي الذي ذكرنا في الدرس السابق، أو مثال المتعبد الذي يغالي فينشر الأحكام الخاصة به ليجعلها عامة. وهذا حدث حتى في زمن الصحابة، حدث من أبي ذر -رضي الله تعالى عنه-، ولذلك فقه أبي ذر ليس هو الفقه الذي تجرب به قواعد الأصول: عندما أخرج قاعدته لما فهمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن الكنز هو ما زاد عن حاجتك في يومك؛ فهذه شديدة، ولا تليق بقواعد الشريعة، فلو صح قول أبي ذر؛ من أين يمكن للمتعبد وللمكلف أن يخرج الزكاة؟ فأول ما يخطر على بال طالب العلم في نقد هذا الفقه الذي قال به أبو ذر -رضي الله تعالى عنه- هو أنه لا يتلاءم مع أركان الشريعة ومع قواعدها؛ فالزكاة هي عما يدور عليه الحول، وضرب أمثلة كثيرة فيمن يكون معه الذهب والفضة وغيرها من الأموال المتنقلة