هذا الحديث فيه فوائد عظيمة وجليلة، أكتفي بواحدةٍ حتى تعلموا سر هذا الأمر وهو أن الخواتم هي الأجمل؛ الأوائل هي الأشق والخواتم هي الأجمل. ولذلك مثّل النبي نفسه بخاتم اللبنات التي يكتمل بها البناء، ولذلك آخر الأمور هو أجمل الأمور وأعظم الأمور، وكأن هذه الخاتمة هي المقصد الذي بُني من أجله البيت، كأن البيت بُني من أجل هذه الخاتمة، حتى توضع هذه اللبنة الجميلة فلا يدخل الناس في البيت ويقولوا البيت جميل لولا أن وضعت هذه اللبنة، فإذا وُضعت اكتمل البناء - انتبهوا لهذا -، عندما يدخلون البيت، وكأن البيت بعدم وجود هذه اللبنة غير موجود لأن حُسنَه مفقود؛ حُسن هذا البيت مفقود لعدم وجود هذه اللبنة، وهي لبنة، كأن البيت لا وجود له من غير هذه اللبنة فهي ضرورية مع أنها هي الخاتمة.
وذلك الشيء، أي شيء في الوجود سواء كان من المعاني، سواء كان من الأشياء والمخلوقات الكونية الأخرى فهذه إنما تكون فاعليتها باكتمالها - فاعليتها لا بُدَّ أن تكتمل - وإلا فإنها فاقدة للفاعلية.
لو أنت عندك سيارة ومهما حصَّلت في هذه السيارة من أجزاء لها ثم تركت المقواد مثلًا فكأنها غير موجودة، وهكذا لو ضربت بأمثلة كثيرة في أعضاء الإنسان، لوجدنا كأن السيارة غير موجودة مع أنها موجودة، ولكن هذا الشيء الذي هو آخر شيء يكون فيه الجمال والتمام، انتبهوا لهذا في حياتكم، قد يعمل المرء عملًا طويلًا، شاقًا، متعبا، فيأتي إلى آخر المرحلة ويكسل ويضعف كأنه ما صنع شيئًا.
هذا الكلام الذي قاله هو كذلك يؤكد أن الرسالة بين يديّ الشيخ أبي إسحاق، لأنها من كلماته - الشاطبي - رحمه الله -.
"ومسك ختامهم محمّد ابن عبد الله الذي هو النعمة المسداة والرحمة المهداة والحكمة البالغة الأمية والنخبة الطاهرة الهاشمية؛ أرسله إلينا شاهدا ومبشرا ونذيرا"
نعم يكفي، واضح الكلام؟ اقرأ فنحمده سبحانه والحمد نعمة منه مستفادة ..