هذه كلمة من الشيخ عظيمة، لكن نجد أن بعض المعلقين الجهال أول ما تفزع نفوسهم للتعليق على هذه الكلمة؛ ينقلون كلام العلماء في علاقة العقل مع النقل مما يقال في مسائل التوحيد من أن العقل الصريح هو ملتقٍ مع النقل الصريح -قاعدة شيخ الإسلام (درء تعارض العقل والنقل) -، والشيخ لا يتحدث هنا عن هذه المسألة، بل يتحدث عن الفقه، وفي الفقه العقل دوره أن يفهم، لا أن يُنشئ.
فالشيخ يقول هنا أنه في علاقة العقل مع النقل في الفقه؛ يكون النقل هو الأول، فلا يمكن أن يعرفك أحد بما يحب أحد آخر إلا بأن يحدثك هذا الآخر عن نفسه، وما هو الفقه؟ هو حديث الله عما يحب وعما يبغض، ولا يمكن أن نعرف ماذا يحب الله وماذا يبغض إلا بأن يحدثنا هو -جل في علاه- عنه، فإذا أردنا أن نوافق الرب -سبحانه وتعالى- فيما يحب وما يبغض؛ فعلينا أن نأخذ منه، ودور عقولنا إذن هو أن نفهم هذا الخطاب الذي يحمل حب الله وبغضه.
لما يصبح المرء متضلعا وريانا وعالِمًا بأصول ما يحب الله وما يبغض؛ يمكن -إذا اشتبه الأمر- أن يجتهد في معرفة ما يحب الله وما يبغض، وهذا لدقته ولخفائه، والذي يستطيع أن يعرف هذا هو من عاش مع الحب الواضح، ومن ابتعد عن البغض الواضح؛ فحينئذ يستطيع أن يتحدث حديث المكتشف.
ولذلك القياس يخطئ، والقياس ليس دليلًا شرعيًا، بل هو كاشف عن الدليل، هو لا ينشئ حكمًا، ولكن لما غابت معرفة النص؛ أردنا أن نقارب ما يحب الله وما يبغض، فاحتجنا للقياس ليكشف لنا الدليل، فهو يكشف لنا عن الحكم الذي خفي عنا، إذًا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، تعاضدا أي اتفقا وتقاويا.
"فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا":
لعلمائنا كلام رائع، قالوا أن العقل دلنا على صحة النقل، فلما أسلمنا إليه استقام. طبعًا لا نريد أن نخوض في التحسين والتقبيح العقلي.
قال:"فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل":
النقل هو الذي سمح لنا بالقياس، فلا نذهب إلى العقل لأن هذا القياس أمر عقلي، فما الذي سمح لنا أن نعمله؟ فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل هو من سمح له.
"والدليل على ذلك أمور:"
الأول: أنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل؛ لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة":"
هذا ما يسمى بالدور، يقول لو جاز للعقل تخطي ما حده النقل؛ لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة، لأن النقل هو الذي حد لنا مساحة العقل، فلو أنه تجاوزه؛ لصار الفرع حاكمًا على الأصل وهذا لا يجوز.