الشعر هو ديوان العرب كما نُسِب للفاروق -رضي الله عنه-، وهو حض الناس على تعلم الشعر لأنه لا يمكن فهم الكتاب إلا بفهم العربية وفهم أرقى الكلام، وأرقى كلام هو كلام ربنا؛ ولذلك لما أراد العرب أن يعرفوا مقام الكتاب ومقام الكلام فيه؛ عرضوه على أعظم كلامهم الذي هو الشعر، هذا واحد، وكثيرًا ما وقف العلماء في معرفة كلام ربنا على الأشعار، ولذلك كان من مهمات الصحابة هو جمع شعر العرب لمعرفة كلام الله -عز وجل-، وهكذا التابعون؛ فالشعر في هذا الباب ليس من ملح العلم بل هو من مهماته، لأنه كلما ازداد المرء معرفة بالشعر كلما ازداد معرفة بكلام الله -عز وجل- سواء ذوقًا أو علمًا أو مقامًا، فهذا شيء ينبغي أن نهتم له. وأنا أقول من أجل أن ترقى أذواقنا الأدبية، وأذواقنا العلمية علينا أن نقرأ الشعر، وهذا شيء مقرر عند علمائنا؛ فلا يخلو كتاب تفسير من أن تجد فيه الشعر، من أجل أن يقارب المعنى أو من أجل أن يقارب الذوق.
الشيء الثاني، أنتم تعلمون أن الصوفية هم أول من أدخل الرمز في الشعر، وليس المقصود به المجاز، بل كمن يتكلم عن الخمر ويقصد به القرآن، أو يتكلم عن الخمر ويقصد به الإيمان، وهذا مشهور وتجدونه في كلام الحلاج، وفي كلام ابن الفارض، وفي كلام ابن العربي، حين يتحدث عن ليلى وعشق ليلى، فالمقصود به الذات الإلهية وهكذا، فهذا الرمز جعل له ذوقًا ومذاقًا خاصًا عند أصحاب الشطحات، وهناك بحث يسير أرجو أن أجده سميته: الفرق بين العقل الشعري والعقل الجهادي، والعقل الشعري عابه القرآن: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} ، وبعض النفس تتجلى وتتذوق الجمال إن انخلع عن الأرض وطار فوقها، كالأحلام، وكذلك الكلام إن خرج عن الأرض صارت فيه أحلام، وكثير من أمتنا يعيش في الأحلام، والصوفية ممن صنع الأحلام في أمتنا؛ لأنهم يقدمون مشايخهم على صورة الانفلات من البشرية، فيقولون: هذا رجل كان يبكي حتى نبت البقل من دمعه!! أو رجل صام ثلاث أو أربعة أيام حتى اسودَّ جسده، وهذا يخرب عقله؛ فالانفلات العقلي يسموه الجذب ويعتبرونه ولاية، ولذلك عامة أئمتهم وأوليائهم هم مجانين، فإذا قرأت مثلًا كتاب الشعراني (طبقات الأولياء) تجد عامة هؤلاء مجانين لأن تصرفاتهم خارجة عن نطاق البشر.
فإذًا هم قدموا المشايخ وقدموا الإسلام على صورة من الطهورية التي تؤدي إلى انخلاع الإنسان عن البشرية، وإذا انخلع عن البشرية صار مجنونًا، وهذه هي التي تجذب الذهن ويحبها لأنها كالفيلم، فيحبها الناس لأنها أحلام، وهذا هو الذي قاله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} ، حتى في وديان الباطل، حتى في وديان الخيال يهيمون، {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} ؛ فذم سبحانه وتعالى تصوراتهم وذم أقوالهم لأنها ليست على منهج سنني.