فالشيخ هنا يقول:"العلوم المأخوذة من الرؤيا، مما لا يرجع إلى بشارة ولا نذارة":
بشارة ونذارة بمعنى: رجل يسلك طريقًا من طرق العلم أو الجماعات أو المال والكسب، فتأتي الرؤى لتنيره وتدله، والعلماء لهم أحوال في مناماتهم كما لهم أحوال في يقظتهم؛ شيخ الإسلام -رحمه الله- ذكر عن نفسه أنه كان في صغره في المنام يحضر له الرازي صاحب كتاب (أساس التقديس) الذي رد عليه في (درء تعارض العقل والنقض) ، ويناقشه في المسائل الكلامية والمنطقية ويقيم له المناظرات، وأن كثيرًا مما كتبه إنما نشأ في مناظراته المنامية، وهذا يحدث كثيرًا؛ يفتح الله -عز وجل- على العبد في المنام ويدله على أمور لا يعرفها في اليقظة، وقد قلنا أنه قد توقف تنزل القرآن ولكن لم تتوقف تنزلاته.
فالرؤيا إذًا دليل للاعتضاد، وهي لا تصلح دليلا للخصم إلا إذا دلت على دليل، بل يطمئن بها من عنده مسألة على درجة من الخلاف الذي لا يقضي به من جهة العقل؛ فتأتي الرؤية لتسحبه إلى جهة من الجهات، وينبغي على صاحب الرؤيا أن ينظر إلى فعله وتقواه في أكله للحلال، في قيامه للّيل، في قراءته للقرآن، في محافظته على الذكر، فإن المرء إذا انجلى قلبه في اليقظة؛ انجلى قلبه في المنام، وأصدق الناس حديثًا في الحياة أصدق الناس حديثًا في الرؤيا.
إذًا الكلام عن الرؤى وغيرها هي من ملح العلم، لا ينشغل بها المرء ولا هي التي ترسم حياته، وبعض الناس يبذل جهده لجمع الرؤى مع أن كثيرًا منها هي حديث نفس تسري بين الناس فيرونها في المنام وتستقر عقولهم وقلوبهم على اليقين ولا تكون كذلك في نفس الأمر، هذه ينبغي أن نحذر منها.
"والخامس: المسائل التي يُختلف فيها؛ فلا ينبني على الاختلاف فيها فرع عملي، إنما تعد من الملح، كالمسائل المنبه عليها قبلُ في أصول الفقه".
تقدم قوله في الكلام على أصول الفقه بأن هناك من المسائل التي أدخلها الكاتبون في أصول الفقه مما لا ينبني عليها علم؛ فإدخالها في أصول الفقه من قبيل الغلط، وهو انشغال، وهذا تقدم الكلام عليه، ولكنه هنا يعمم بأن كثيرًا من المسائل التي ينشغل بها العلماء في أصول الفقه وفي اللغة وفي الحديث لا ينبني عليها عمل ولا ينبني عليها علم.