فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 809

-وإلى فروع (كتب غير أصلية) ، بمعنى أن صاحب الكتاب لا يذكر سند الحديث، بل يعزوه إلى الكتب الأصلية التي أخذها منه، مثل (رياض الصالحين) ، ومثل كتاب (مشكاة المصابيح) .

فقديمًا كان الاهتمام بجمع الأسانيد من مهمات هذا العلم ومن صلبه، فأنْ ينشط أحمد -أو يحي بن معين أو الشافعي- إلى جمع الحديث من كتب متعددة؛ هذا في زمانه من صلب العلم، والأوائل كانوا ينشطون لجمع الأسانيد وكانوا لا يقبلون الحديث من رجل واحد ويأخذونه من جهات متعددة ليحصل لهم الاطمئنان للحديث أو يحصل لديهم المقارنة في الحديث، وهذه الكثرة من الأسانيد هي التي أنشأت علم العلل، فهو من صلب العلم، ولكن لما استقرت الكتب الأصلية صار جمع الأسانيد لمجرد التفاخر الاعتزاز، ولذلك عاب علماؤنا كابن الجوزي، وكالخطيب البغدادي وغيرهما، عابوا جميعًا على الإكثار من هذا بأنه شغلتهم الأسانيد عن الفقه، ومقصود الحديث هو الفقه، ولذلك سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثه فقهًا فقال: (رب حامل فقه .. ) .

فالمقصود من الحديث هو حصول الفقه، ولذلك قال ابن معين في الرؤيا المذكورة أن هذا من باب: {ألهاكُم التَّكَاثُر} .

وابن معين هو حارس المغارة، وهو الذي أقامه الله في عصره لذب الكذب عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، أبو زكريا إمام جهبذ عظيم، وهو أعلم أهل عصره بالرجال، وهو من وراث الصناعة الحديثية، فهناك رواة للحديث وهناك أهل صناعة حديثية، فالإمام يحي بن معين هو الرأس الأول في وراثة الصناعة الحديثية، ولا تعرف الصناعة الحديثية كما تعرف في أهل العراق، وأستاذها الأول هو شعبة، ثم ورثها عبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان، فهؤلاء هم أهلها ورجالها، وورثهم يحي بن معين وأحمد بن حنبل ومن هم في طبقتهم، ولكن يحي بن معين أكثر تخصصًا في نقد الرجال من الإمام أحمد، وتعرف مرتبة الرجل في نقد الرجال بكثرة نقده واتساع كلامه في الرجال، ويحي بن معين لا يسبقه أحد في هذا الباب، لا أحمد ولا غيره، ولكن الإمام أحمد أكثر جمعًا للأسانيد.

فالقصد أن الأئمة تجري عليهم أجورهم حتى في المنام، فالرجل جمع حديثًا من مائتي طريق إلى الكتب الأصلية، فقال هذا من باب: {ألهاكم التكاثر} !

وقد علمنا كذلك هنا طريقة عظيمة في إعمال العموم في كتاب الله، فإن المقصود ب: {ألهكم التكاثر} هو الدنيا، ولكن هذا جاء على صيغة العموم؛ فأي سعي من أجل التكثير في غير ما هو من مهمات الحياة هو من الإلهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت