وعن أساسه، والآن يتكلم عن زهرته التي لا تُعد من الأمور المهمة ولا ينبغي على طالب العلم أن يبذل وقته وذهنه في الكد والبحث عنها، وقد ذكر القاعدة العامة لملح العلم، والآن يذكر بعض الأمثلة، وذكر من تلك الأمثلة أمرين:
-أما الأمر الأول الذي ذكره فهو الحكم المستخرجة لما لا يُعقل معناه على الخصوص في التعبدات.
-وذكر الأمر الثاني وهو تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها ولا يطلب التزامها، كالأحاديث المسلسلة وغيرها.
والآن مع المثال الثالث:
"والثالث: التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة، لا على قصد طلب تواتره، بل على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرة، ومن جهات شتى، وإن كان راجعًا إلى الآحاد في الصحابة، أو التابعين، أو غيرهم؛ فالاشتغال بهذا من الملح، لا من صلب العلم."
خرج أبو عمر ابن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني؛ قال: خرجت حديثا واحدا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مائتي طريق، أو من نحو مائتي طريق -شك الراوي-قال: فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك؛ فرأيت يحيى بن معين في المنام، فقلت له: يا أبا زكريا! قد خرجتُ حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مائتي طريق. قال: فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: {ألهاكم التكاثر} [التكاثر: 1] ، هذا ما قال. وهو صحيح في الاعتبار؛ لأن تخريجه من طرق يسيرة كافٍ في المقصود منه؛ فصار الزائد على ذلك فضلًا"."
إذًا المثال الثالث هو الاستكثار من طرق الحديث، وهذا الاستكثار لا يقصد منه الفقه، والذي ينبغي أن نهتم له أن الإكثار من الأسانيد عند الأوائل من المهمات ومن صلب العلم، لكن بعد أن استقرت كتب أصول الحديث، لم يعد الأمر كذلك.
فكتب الحديث تقسم إلى قسمين:
-إلى أصول (كتب أصلية) ، وهي التي يسند فيها الحديث من صاحب الكتاب إلى المحدَّث عنه، فإذا كان مرفوعًا فيسنِد صاحب الكتاب الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصحيح البخاري كتاب أصلي، لأن البخاري يسند الحديث منه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى الصحابي إن كان موقوفًا، وكذلك مسلم، والسنن الأربعة وما هو معروف من المسانيد -مسند أحمد، مسند أبي علي الموصلي-، ومن المصنفات -مصنف عبد الرزاق مصنف ابن أبي شيبة-.