فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 809

تحدث الشيخ -رحمه الله- في المقدمة التاسعة عن صلب العلم وخواصه ومميزاته، وأن أولها: العموم والاطراد. ولأنه يتحدث عن العلم وليس عن المكلف، فهو لم يتحدث عن العموم والاطراد باعتبار المكلَّف -أن جميع المكلفين خاضعون لهذه الشريعة-، وإنما تحدث عنه باعتبار التكليف، بأنه يشمل الحياة جميعًا، وهنا تكلمنا عن نقطة مهمة جدًّا اختلف فيها العلماء، وقمنا فيها بعمل"موافقات"بينهم، وذكرناها في الكلام عن القياس، وعن تنقيح المناط، وهي:

كيف ينظر علماء الأصول -رحمهم الله- على اختلاف مناهجهم في قضية العموم والاطراد؟

أو: كيف تدخل أعمال المكلف وموجودات الحياة كلها في الشريعة؛ هل تدخل بنصوصها أم تدخل بمعقولها؟ هل تدخل بالبيان أم تدخل بالقياس؟

-هناك من يقول أن نصوص الشريعة تستوعب أعمال المكلف وحوادث الحياة جميعها بالبيان، وأن الشريعة جاءت بالبيان الذي يدخل فيه أعمال الناس بالحد الأدنى والحد الأعلى، ولكن لا بد من معرفة الحادث في أي بيان يدخل. وهذا الذي يجعله ابن حزم"الدليل"؛ ولذلك هو يتوسع في هذا الباب، وهذا الذي عليه الكثير من أهل العلم ويميل إليه كبار المحققين كشيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله-، ويعيب على من قال بأن النصوص متناهية وأعمال ونوازل الحياة غير متناهية في كتابه (الصفدية) ، وابن القيم وقف عليها وقفة العالِم في (إعلام الموقعين) .

-والآخرون قالوا: النصوص متناهية، وأعمال البشر ونوازل الحياة وتغير الظروف والزمان والمكان غير متناهية، فكيف يستوعب المتناهي غير المتناهي؟ قالوا: يدخل في معقول المتناهي، يدخل في قياسه: نعرف ما الأحكام وبعد ذلك نجعل هذه العلل مطردة، نجعلها تطرد وتدخل فيها الأشياء.

والأوائل الذين قالوا بأن الشريعة تستوعب الحياة بنصوصها وبيانها هم الأكثر اهتمامًا بجمع النصوص، ويهتمون كثيرًا باختلاف الألفاظ في الروايات، لأنه إذا اختلفت الألفاظ وسعت دائرة الدلالة، وهذا لأنه اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، واختلاف التنوع معناه إدخال ما بدا مختلفًا في معنى واحد، أي أن النص يستوعب هذا الخلاف، وأنه يستوعب أكثر ممّا بدا لأول وهلة -وهذه النقطة لم تُشرح في كتب الأصول، ولا في كتب التفسير-، فلما نفسر كلمة، إما أن تُفسر بالتطابق، وإما بالتضمين، وإما باللزوم، هذه إحدى دلالات الألفاظ، فكلمة"بيت"مثلًا؛ يدخل فيها الحائط، ويدخل فيها السقف، ويدخل فيها البيت بمعنى الدار، حسب سياق اللفظ.

أما الآخرون الذين قالوا أن الحوادث تدخل في معقول النصوص فوسعوا دائرة القياس، وهم مدرسة الرأي؛ ولذلك لا تجد عندهم اهتمام المحدثين بهذه المسائل، يكفي أن يثبت عندهم حديث واحد فيجعلونه أصلًا، يقبلون ويردون عليه، فينشأ الاستحسان، وينشأ غيره من مسائل الأصول التي نجد عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت