وكمثال عن هذا، عندما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا جاوز الختان الختان) ، فكلمة"جاوز"مقصودة من كلام الشارع، ولا بد أن ننظر إليها ليتكون منها الفرع الفقهي، والآن لا نريد أن نفسرها لأن بابها الفقه وليس الأصول.
فإذا أراد المرء الفقيه أن يجمع المعاني والمقاصد، أن يجمع المقاصد والكليات، فالطريق هو النظر إلى المعنى وليس إلى اللفظ، فإذًا كما سبق وأن قلت: النظر إلى العلل والمقاصد بالنظر إلى معنى النص، والفروع بالنظر إلى لفظ النص.
والشيخ هنا يمهد للمقاصد، ومع أنه يرى أن المقاصد هي التي تحكم الشريعة، وهي نهايتها، إلا أننا لا نقبل طريقة تعامل كثير من العلماء مع هذا الكتاب، فهم يأخذون فقط بالجزء الخاص بالمقاصد -وهو الكتاب الثاني-، ويلغون البقية، وكأنَّ بقية الكتاب هي فقط دعامات لكتاب المقاصد.
فالشيخ هنا يمهد للكلام عن المقاصد ويرى أن صلب العلوم هو النظر إلى المعاني، فيقول:
"لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وما هو مكمل لها أو متمم لأطرافها وهي أصول الشريعة":
إذًا أصول الشريعة عنده هي الكليات والمقاصد، وهي منتهى الطلب.
وقد تقدم الكلام بأن العالِم مراتب، وبالنظر إلى سبيل آخر في قوله، هناك من يأخذ النص دون اعتبار معناه، وهناك من يأخذ النص باعتبار حكمته. وقد تكلمنا عن هذا وقلنا: ارجعوا إلى كتاب (حجة الله البالغة) ، وكتاب (أسرار الشريعة) ، إلى غير ذلك.
فالعلماء يتفاوتون بالنظر إلى مقاصد الشريعة؛ وإلا فالفروع قد يُكثر منها المرء ولا ينظر إلى مقاصدها.
ومن شروط العلم الضروري أن يكون قطعيا، كما قال:"وذلك ما كان قطعيًا". فصلب العلم؛ شرطه ألا يكون ظنيًا، لا في دلالته ولا في ثبوته، فلا يجوز فيه -على لغة الفقهاء والأصوليين- التأويل، والتأويل في كلام الفقهاء والأصوليين هو الاجتهاد، وليس المقصود هو التأويل في كلام العرب ولا في التفسير ولا في العقائد؛ لذلك يجب الانتباه للباب الذي نتكلم فيه حتى نفسر الألفاظ بمراد أصحابها، وإلا وقع الخلط.
فأهل العلم يقولون:"لا اجتهاد في موطن النص"، طبعًا هذه مردودة من جهات كثيرة من كلام أهل العلم، ولكن نحن علينا أن نسير على طريقهم لنفهم مرادهم؛ فالفقه عند الأصوليين يقسم إلى قسمين: